قيل: قد خصهم بكل ذلك ، والظاهر من ذلك هي الشريعة التي إدا اعتبرت بسائر الشرائع وجد لها حد الاعتدال ، وهو أن بني إسرائيل لما عتوا كما حكى الله عنهم فِي غير موضع شدد عليهم أشياء صارت عليهم إصرا وأغلالاً ، نحو: {وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} ، ولذلك أمرنا تعالى فيما يدعونه أن نقول {وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} ، ثم خفف عنهم على لسان عيسى بعض التخفيف ، ولهذا حكى عنهم: {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} ، وتمم ذلك بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فقال: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} إلى قوله: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} وقال: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} ، وقال عليه السلام"بعثت بالحنيفية السهلة"، فصارت شريعته متوسطة بين الإفراط الذي هو الإصر والأغلال وبين التفريط الذي هو
الإضاعة والإهمال ، وعلى ذلك قال {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} ، ولكون هذه الشريعة وسطاً
سمى مقتضاهما كلمة (سواء) أي عدلاً باتفاق العقول فقال: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ} الآية..
إن قيل: هل ذلك للأمة كلهم أم للبعض دون البعض ؟ قيل: الخطاب لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة على وجه ، وهو خطاب للكافة عامة على وجه ، وذلك أن أصحابه فِي الحقيقة صاروا موجودين خير الناس ، وسائر أمته ممكنون أن يصيروا أخيارا وذلك بقبولهم الفيض الذي أباحه الله لهم بعقولهم ولسان نبيهم وتدرجهم إلى بلوغ أقاصيه ..