د - وأما المعقول: فإنه يتعذر ضبط (عين الكعبة) على القريب من مكة ، فكيف بالذي هو فِي أقاصي الدنيا من مشارق الأرض ومغاربها ؟ ولو كان استقبال عين الكعبة واجباً ، لوجب ألا تصحّ صلاة أحدٍ قط ، لأن أهل المشرق والمغرب يستحيل أن يقفوا فِي محاذاة نيّف وعشرين ذراعاً من الكعبة ، ولا بدّ أن يكون بعضهم قد توجّه إلى جهة الكعبة ولم يصب عينها ، وحيث اجتمعت الأمة على صحة صلاة الكل علمنا أنّ إصابة عينها على البعيد غير واجبة {لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] .
ومن جهة أخرى: فإن الناس من عهد النبي عليه الصلاة والسلام بنوا المساجد ، ولم يحضروا مهندساً عند تسوية المحراب ، ومقابلةُ العين لا تُدرك إلا بدقيق نظر الهندسة ، ولم يقل أحد من العلماء إنّ تعلم الدلائل الهندسية واجب ، فعلمنا أن استقبال عين الكعبة غير واجب .
الترجيح: هذه خلاصة أدلة الفريقين سقناها لك ، وأنت إذا أمعنت النظر رأيت أن أدلة الفريق الثاني (المالكية والأحناف) أقوى برهاناً ، وأنصع بياناً ، لا سيما للبعيد الذي فِي أقاصي الدنيا ، وأصول الشريعة السمحة تأبى التكليف بما لا يطاق ، وكأنّ الفريق الأول حين أحسوا صعوبة مذهبهم ، خصوصاً من غير المشاهد لها قالوا:"إن فرض المشاهد للكعبة إصابةُ عينها حسّاً ، وفرض الغائب عنها إصابة عينها قصداً"وبعد هذا يكاد يكون الخلاف بين الفريقين شكلياً ، لأنهم صرحوا بأنّ غير المشاهد لها يكفي أن يعتقد أنه متوجه إلى عين الكعبة ، بحيث لو أزيلت الحواجز يرى أنه متوجه فِي صلاته إلى عينها ، وفي هذا الرأي جنوح إلى الاعتدال ، والله الهادي إلى سواء السبيل .
قال العلامة القرطبي: فِي تفسيره"الجامع لأحكام القرآن"ما نصّه: