والتعبير بقوله تعالى: {قَدْ نرى} بمعنى قد رأينا ، لأن {قَدْ} تقلب المضارع ماضياً كما يقول النحاة ومنه قوله تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين} [الأحزاب: 18] وقوله: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ} [الحجر: 97] أي قد علمنا .
اللطيفة التاسعة: قال المحققون من أهل التفسير: فِي قوله تعالى: {قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} فِي هذه الآية تنبيه لطيف على حسن أدبه عليه السلام حيث انتظر الوحي ولم يسأل ربه ، وقد أكرمه الله تعالى على هذا الأدب بقبلة يحبها ويهواها فقال تعالى: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} وفي سبب محبته عليه الصلاة والسلام التوجه إلى المسجد الحرام وترك التوجه إلى بيت المقدس وجوه:
الأول: مخالفةً لليهود حيث كانوا يقولون: يخالفنا محمد ثم يتّبع قبلتنا ولولا نحن لم يدر أين يستقبل .
الثاني: أن الكعبة المشرّفة كانت قبلة أبيه إبراهيم خليل الرحمن .
الثالث: أنه عليه الصلاة والسلام كان يرغب فِي تحويل القبلة استمالة للعرب لدخولهم فِي الإسلام .
الرابع: منشأ الرسول صلى الله عليه وسلم فِي البلد الأمين وفيه المسجد الحرام الذي هو قبلة المساجد فأحب أن يكون هذا الشرف للمسجد الذي فِي بلتده ومنشئه .
اللطيفة العاشرة: فِي التعبير عن (الكعبة) بالمسجد الحرام إشارة لطيفة إلى أن الواجب مراعاة الجهة دون العين ، والسرّ فِي الأمر بالتولية خاصاً وعاماً {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام} ثم قال: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} مع أن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم خطاب لأمته هو الاهتمام لشأن القبلة ، ودفع توهم أن الكعبة قبلة أهل المدينة وحدهم ، لأن الأمر بالصرف كان فيها ، فربما فهم أن قبلة بيت المقدس لا تزال باقية .