وعلى الثاني يكون مرفوعاً بالابتداء ، و"بتابع"فِي محلّ رفع ، وهذه الجملة معطوفة على جملة الشرط ، وجوابه لا على الجواب وحده ، إذ لا يحل محله ؛ لأن نفس تبعيتهم لقبلته مقيد بشرط لا يصح أن يكون قيداً فِي نفي تبعيته قبلتهم ، وهذه الجملة أبلغ فِي النفي من قوله: {مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ} من وجوه:
أحدها: كونها اسمية متكررة فيها الاسم ، مؤكد نفيها بالباء.
ووحّد القبلة وإن كانت مثناة: لأن لليهود قبلة ، وللنصارى قبلة أخرى لأحد وجهين:
إما لاشتراكهما فِي البطلان صارا قبلة واحدة ، وإما لأجل المقابلة فِي اللفظ ؛ لأن قبله: {مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ} .
وقرئ: {بِتَابِعٍ قِبْلَتِهِمْ} بالإضافة تخفيفاً ؛ لأن اسم الفاعل المستكمل لشروط العمل يجوز فيه الوجهان.
واختلف فِي هذه الجملة: هل المراد بها النهي أي: لا تتبع قبلتهم ، ومعناه: الدوام على ما أنت عليه ؛ لأن معصوم من اتباع قبلتهم ، أو الإخبار المَحْض بنفي الأتبّاع ، والمعنى أن هذه القبلة لا تصير مَنْسوخة ، أو قطع رجاء أهل الكتاب أن يعود إلى قبلتهم ؟ قولان مشهوران.
قوله: {وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} .
قال القفال: هذا يمكن حمله على الحال وعلى الاستقبال.
أما على الحال فمن وجوه:
الأول: أنهم ليسوا مجتمعين على قِبْلَةٍ واحدة حتى يمكن إرضاؤهم باتباعها.
الثاني: أن اليهود والنصارى مع اتفاقهم على تكذيبك متباينون فِي القبلة ، فكيف يدعونك إلى ترك قبلتك ، مع أنهم فيما بينهما مختلفون.
الثالث: أن هذا إبطال لقولهم: إنه لا يجوز مخالفة أهل الكتاب ؛ لأنه إذا جاز أن تختلف قبلتاهما للمصلحة جاز أن تكون المصلحة فِي ثالث.