وفي الآية دليل على أن الهداية كانت موجودة قبل هذا الاهتداء وهي الدلائل التي نصبها الله تعالى وكشف عن وجوهها ، والاهتداء قبولها والعمل بها ليفوزوا بالسعادة العظمى . وإن تولوا عما قيل لهم ولم ينصفوا فما هم إلا فِي شقاق خلاف وعداوة وهو مأخوذ من الشق كأنه صار فِي شق غير شق صاحبه ، أو من الشق لأنه فارق الجماعة وشق عصاهم ، أو من المشقة لأن كل واحد منهما يحرص على ما يشق على صاحبه ويؤذيه ، وفي وصف القوم بذلك دليل على معاداتهم الرسول وإضمارهم له كل سوء وتربصهم به الإيقاع فِي المحن ، فلا جرم آمنه الله تعالى والمؤمنين من كيدهم وقال {فسيكفيكهم الله} وناهيك به من كاف كافل . ومعنى السين أن ذلك كائن لا محالة وإن تأخر إلى حين وذلك أن فيها معنى التوكيد لوقوعها فِي مقابلة"لن"قال سيبويه: لن أفعل نفى سأفعل ، ولقد أنجز وعده عما قريب بقتل قريظة وسبيهم وإجلاء بني النضير وضرب الجزية عليهم ، وهذا إخبار بالغيب وكم من مثله فِي القرآن وكل ذلك مما يتأكد به إعجاز التنزيل العزيز وحصوله بطريق الوحي الصراح {وهو السميع العليم} وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي يسمع دعاءك ويعلم نيتك فِي أعلاء كلمة الحق وإعلانها فهو يستجيب لك لا محالة ، ووعيد لأعدائه أي هو منهم بمرأى ومسمع يعلم ما يسرون من الحسد والحقد والغل فيكافئهم على ذلك {صبغة الله} مصدر مؤكد منتصب عن قوله {آمنا بالله} مثل وعد الله قاله سيبويه وقيل: بدل من {ملة إبراهيم} أو نصب على الإغراء أي عليكم صبغة الله ، وفيما فك لنظم الكلام وإخراج له عن الالتئام . والصبغة فعلة من صبغ للحالة التي يقع عليها الصبغ كالجلسة . والمعنى تطهير الله لأن الإيمان يطهر النفس . وأصله أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم فِي ماء أصفر يسمونه بالمعمودية ويقولون هو تطهير لهم وبه يصير الواحد منهم نصرانياً حقاً ، فأمر المسلمون أن يقولوا لهم آمنا وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل