أَنْفُسِهِمْ...) فحين أخذنا من ظهر آدم كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في
حديثه ذلك حيث قال:"إن الله لما خلق آدم مسح على ظهره بيمينه فاستخرج منه"
ذرية..."أخذ من ظهر كل ذي ذرية ذريته، كما حملنا مع نوح - عليه السَّلامُ - في الفلك يوم"
حمله فيه وأهله، فهو أبدًا يحيي؛ أي: يخلق من كل ذي ذرية ذريته ويميت.
وعلى هذا يصح لفظ الاستقبال، وإلى هذا فإن جميع الخليقة كانوا قبل إيجاده
إياهم عدمًا لأنفسهم، فإن كانوا موجودين عنده في علمه وقدرته ومشيئته يشاهدهم
ويراهم ويسمعهم فأوجدهم، إذ شاء الإيجاد الذي عبر عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله:
"إن الله خلق الخلق وقضى القضية، وأخذ ميثاق النبيين، وعرشه على الماء، ثم"
ردهم إلى علمه بهم عدمًا لأنفسهم"فكان ذلك من حكمه فيهم إماتة، ثم"
أوجدهم يوم استخرجهم من ظهر آدم - عليه السلام - فكان إحياء، ثم ردهم إلى حيث كانوا،
فكان ذلك إماتة منه لهم.
عبر عن ذلك قوله الحق: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(28) .
فاستاق هذا الخطاب على معنى التكليف بالإيمان بالإحياء الذي بعد الموتة المنتظرة، وما تقدم ذكره هو تكليف بالإيمان
بالأولية التي استأثر بها - جلَّ جلالُه - فأحياهم؛ لأنه المحيي، وأماتهم؛ لأنه المميت، ولأنه
الحي الدائم الباقي، يحييهم في المستقبل إرجاعًا إليه فلا يميتهم، وهو على كل
شيء قدير.
ويوم يرجعهم إليه - أعني: أولياءه - رضي الله عنهم - وجعلنا منهم لا تخالف بينهم ولا غل
في قلوبهم، ولا غش قدوتهم على قد واحد، وقلوبهم على قلب واحد(إِخْوَانًا
عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ)ذلك لأنهم كانوا حيث لم يكونوا لأنفسهم، بل
موجودين له مشاهدين له في هدنة ووحدة، لم ينبغ لخلاف أن يصعد إلى ما هنالك
من وجوده العلي النزيه الرفع، فلهذا ولما هو به أعلم قدم الإحياء قبل الإماتة في
أكثر المواضع من كتابه الحكيم، واستاقها بلفظ الاستقبال لإظهار ما هو قد أبطنه،
وقد كان قبل أظهره، وهو العليم الحكيم.