فإِن قلت: القرب بالنسبة إلى الله تعالى مجاز وفي (حَبْلِ الْوَرِيدِ) حقيقة فيلزم عليه استعمال اللفظة الواحدة في حقيقتها ومجازها، وهو ممتنع عند الأصوليين نص عليه الفخر، وابن التلمساني في المسألة الخامسة من الباب الأول، قلت: في الكلام حذف مضاف أي من قرب (حَبْلِ الْوَرِيدِ) فيكون القرب المضمر حقيقة والمظهر مجازا.
قوله تعالى: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) }
الزمخشري: العامل فيه أقرب؛ لأن معاني الأفعال قد تعمل، انتهى، وذكر ابن هشام في شرح الإيضاح خلافا عمل أفعل من ذكر ذلك، في قوله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) .
ابن عطية: ويحتمل أن يكون العامل فيه مضمرا، أي ذكر (إِذْ يَتَلَقَّى) ، قال: ويحسن هذا؛ لأنه أخبر خبرا مجرداً بالخلق والعلم بخطرات الأنفس والقرب بالقدرة والملك، فلما تم الإخبار أخبر بتلك الأحوال التي تصدق هذا الخبر، فمنها (إِذْ يَتَلَقَّى) المتلقيان، ومنها مجيء سكرة الموت والنفخ في الصور، ومجيء (كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ) ، انتهى. وهو حسن؛ لأنه إذا كان يعلم الوسوسة حين التلقي فيكون نفيا لما يتوهم من أنه إنما يصل إلى علم ذلك من جهة الملائكة الحفظة فإذا
أعلمه حين يلقى الحفظة له كان دليلا على أنه غني عنهم، فإِن قلت: ما أفاد: (يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ) وهو كقولك: تضارب فيَّ المتضاربان؟ قلت: تفيد إما بتقييده باليمين والشمال، وإما بأن ذلك إنما يكون غير مقيد إن لو كان المراد أن كل واحد يلقى صاحبه، وليس المراد الإخبار بلقاء كل واحد منهما صاحبه؛ بل بلقائهما معا المكلف.
قوله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ ... (18) }
ذكر القول دون الفعل؛ لأنه أكثر، فإذا أحصى القول فأحرى الفعل، فإِن قلت: هذا لا يتناول حديث النفس، ولو قيل: ما يصدر من قول لتناوله، والعبد إذا هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، وإن هم بسيئة فلم يعملها ولم يوطن نفسه عليها لم تكتب، فإِن وطن نفسه عليها كتبت عليه سيئة، قلت: هذا راجع إلى العمل لَا إلى القول.
قوله تعالى: (رَقِيبٌ عَتِيدٌ) .