فَالشَّرْطُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ لِدَاعٍ يَدْعُو إلَيْهِ إمَّا فِي اجْتِلَابِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَأْتِيَ بِهِ فِي مَوْضِعِهِ، وَيَتَوَخَّى بِهِ إصَابَةَ فُرْصَتِهِ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقْتَصِرَ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ.
وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَتَخَيَّرَ اللَّفْظَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ مَتَى أَخَلَّ الْمُتَكَلِّمُ بِشَرْطٍ مِنْهَا فَقَدْ أَوْهَنَ فَضِيلَةَ بَاقِيهَا. وَسَنَذْكُرُ تَعْلِيلَ كُلِّ شَرْطٍ مِنْهَا بِمَا يُنَبِّئُ عَنْ لُزُومِهِ.
فَأَمَّا الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ الدَّاعِي إلَى الْكَلَامِ؛ فَلِأَنَّ مَا لَا دَاعِيَ لَهُ هَذَيَانٌ، وَمَا لَا سَبَبَ لَهُ هَجْرٌ. وَمَنْ سَامَحَ نَفْسَهُ فِي الْكَلَامِ، إذَا عَنَّ وَلَمْ يُرَاعِ صِحَّةَ دَوَاعِيهِ، وَإِصَابَةَ مَعَانِيهِ، كَانَ قَوْلُهُ مَرْذُولًا، وَرَأْيُهُ مَعْلُولًا، كَالَّذِي حُكِيَ عَنْ ابْنِ عَائِشَةَ أَنَّ شَابًّا كَانَ يُجَالِسُ الْأَحْنَفَ وَيُطِيلُ الصَّمْتَ، فَأَعْجَبَ ذَلِكَ الْأَحْنَفَ فَخَلَتْ الْحَلْقَةُ يَوْمًا فَقَالَ لَهُ الْأَحْنَفُ: تَكَلَّمْ يَا ابْنَ أَخِي. فَقَالَ: يَا عَمِّ لَوْ أَنَّ رَجُلًا سَقَطَ مِنْ شُرَفِ هَذَا الْمَسْجِدِ هَلْ كَانَ يَضُرُّهُ شَيْءٌ؟ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي لَيْتَنَا تَرَكْنَاك مَسْتُورًا. ثُمَّ تَمَثَّلَ الْأَحْنَفُ بِقَوْلِ الْأَعْوَرِ الشَّنِّيُّ:
وَكَائِنٌ تَرَى مِنْ صَاحِبٍ لَك مُعْجِبٌ ... زِيَادَتُهُ أَوْ نَقْصُهُ فِي التَّكَلُّمِ
لِسَانُ الْفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ ... فَلَمْ يَبْقَ إلَّا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ
وَكَالَّذِي حُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ الْفَقِيهِ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَجْلِسُ إلَيْهِ فَيُطِيلُ الصَّمْتَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو يُوسُفَ: أَلَا تَسْأَلُ؟ قَالَ: بَلَى. مَتَى يُفْطِرُ الصَّائِمُ؟ قَالَ: إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَغْرُبْ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ؟ قَالَ: فَتَبَسَّمَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَتَمَثَّلَ بِبَيْتِيِّ الْخَطَفِيِّ جَدِّ جَرِيرٍ:
عَجِبْتُ لِإِزْرَاءِ الْعَيِيِّ بِنَفْسِهِ ... وَصَمْتِ الَّذِي قَدْ كَانَ بِالْعِلْمِ أَعْلَمَا