ثيابي ما يستخدِمني، وحتّى لم آكل إلا ما لا أغسل يدي منه! يا بنيَّ، والله ما أدّى حقَّ الركوع، ولا وظيفةَ السّجود، ذو كِظّة، ولا خَشَعَ للهِ ذو بِطْنة، والصَّوْمُ مَصَحّة، والوَجباتُ عيشُ الصّالحين، ثم قال: لأمرٍ ما طالت أعمارُ الهند، وصحّت أبدانُ الأعراب. لله درّ الحارث بن كَلَدَة، حين زعم أنّ الدواءَ هو الأزمُّ، وأنّ الداءَ هو إدخالُ الطعامِ في أثرِ الطّعام!
أي بُنيَّ لِمَ صفت أذهانُ العَربِ؟ ولِمَ صدقت أحساسُ الأعراب ولِمَ صحّت أبدانُ الرُّهبان، مع طول الإقامة في الصّوامع؟ وحتَى لم تَعرف النِّقْرسَ، ولا وجعَ المفاصلِ، ولا الأورام؛ إلا لقلّة الرُّزْء من الطعام، وخِفّة الزّاد، والتبلُّغ باليسير.
أي بنيَّ، إن نسيمَ الدّنيا ورَوْحَ الحياةِ أفضلُ من أن تبيت كظيظاً، وأن تكونَ لقصر العمر حليفاً. وكيف لا ترغب في تدبيرٍ يَجْمع لك صحّة البدن، وذكاءَ الذهن، وصلاحَ المِعَى، وكثرة المال، والقربَ من عيش الملائكة؟ أي بُنيَّ، لِمَ صار الضّبُّ أطولَ شيءٍ عُمراً؛ إلا لأنه إنّما يعيش بالنسيم، ولِمَ قال الرسول صلى الله عليه وسلم إنّ الصوم وِجاءٌ، إلا ليجعل الجوعَ حِجازاً دون الشهوات. أي بُنيّ. قدْ بَلغت تسعين عاماً ما نَغَضَ لي سنٌّ، ولا تحرّك لي عظمٌ، ولا انتشر بي عصبٌ، ولا عَرفت ذنينَ أنْفٍ، ولا سيلانَ عينٍ، ولا سلسَ بولٍ، ما لذلك عِلّةٌ إلا التخفيف من الزاد، فإن كُنْتُ تحبُّ الحياةَ! فهذه سبيلُ الحياة، وإنْ كنتَ تُحِبُّ الموتَ، فلا يُبعدُ اللهُ إلا من ظلم.
(بخيل يبيع القرى)
ونزل جريرٌ - الشاعر الإسلامي الأشهر - بقومٍ من بني العنبر بن عمرو بن تميم فلم يَقْروه، حتى اشترى منهم القِرى، فانصرف وهو يقول:
يا مالِكُ ابنَ طَريفٍ إنَّ بَيْعَكُمُ ... رِفْدَ القِرَى مُفْسِدٌ لِلدِّينِ وَالحَسَبِ
قالوا نَبيعُكَهُ بَيْعاً فقلتُ لهُم ... بيعُوا المَوالِيَ واسْتَحْيُوا مِنَ العَرَبِ