تَظلُّ تُدَهْدِهُ القرآنَ حَوْلي ... كأنِّي مِنْ عَفاريتِ الزَّمانِ
وقيل للجمّاز: من يَحضُر مائدةَ فلان؟ فقال: أكرمُ خلقِ الله: الكرامُ الكاتِبون ... واصطحب رجلان فقال أحدهما للآخر: تعالَ حتّى نأكلَ معاً، فقال: معي خبزٌ ومعك خبزٌ، فلولا أنك تريد الشرّ لأكلتَ وحدك ... وقيل لآخر: ألا تأكلُ معنا؟ فقال: الجماعة مَجاعة ... ودَخل على ابنٍ لرجلٍ من الأشراف داخِلٌ وبين يديه فراريجُ، فغطّى الطبقَ بمِنْديلِه وأدخل رأسَه في جَيْبِه وقال للداخل عليه: كُنْ في الحُجْرة الأخرى حتى أفرغَ مِنْ بَخوري ...
ودخل رجلٌ على رجلٍ يوماً والمائدة موضوعةٌ والقوم يأكلون وقد رفع بعضُهم يدَه، فمدَّ يدَه ليأكلَ، فقال: أجْهِزْ على الجَرْحى، ولا تتعرّض للأصحّاء ... يريد: كُل ما كُسِرَ ونيلَ منه ولا تَعْرِضْ إلى الصحيح.
ورأى رجلٌ الحطيئةَ - الشاعرَ المخضرمَ العبقريَّ اللئيمَ - وبيده عَصاً فقال: ما هذه؟ قال: عَجْراء من سَلَم، قال: إني ضيف، قال: للضّيفانِ أعددتُها ...
ووصف أعرابيٌّ قوماً فقال: ألغَوْا من الصلاة الأذان، مخافة أن تسمعَه الآذان، فيَهُلَّ عليه الضّيفان ... وفي هذا المعنى يقول شاعرٌ:
تَرَاهُمْ خَشْيَةَ الأضْيافِ خُرْساً ... يقيمونَ الصلاةَ بلا أذانِ
وكانوا يعدّون أن يبيت الرجلُ شبعانَ وجارُه جَوْعانُ، عاراً وشَناراً ولؤماً ونذالة، ويتهاجون بذلك، وأحسن ما قيل في هذا قول الأعشى - ميمون بن قيس - في علقمة بن عُلاثة:
تبيتُونَ في المَشْتَى مِلاءً بُطُونُكم ... وجاراتكم غَرْثى يَبِتْنَ خَمائِصا
وقول بشار بن برد:
وضَيْفُ عَمْرٍو وعَمْرٌو يَسْهَرانِ مَعاً ... عَمْروٌ لِبِطْنتِه والضَّيْفُ لِلْجُوعِ
وقال شاعرٌ:
وَجِيرَةٍ لا تَرَى في الناسِ مِثْلَهُمُ ... إذا يكونُ لهم عِيدٌ وإفْطارُ
إنْ يُوقِدُوا يُوسِعونا مِن دُخانِهمِ ... وليس يَبْلُغُنا ما تُنْضِجُ النَّارُ