الخامس أن الآية محكمة ، والإمام مخيَّر في كل حال ؛ رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ، وقاله كثير من العلماء منهم ابن عمر والحسن وعطاء ، وهو مذهب مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأبي عبيد وغيرهم.
وهو الاختيار ؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين فعلوا كل ذلك ؛ قَتل النبيّ صلى الله عليه وسلم عُقْبَة بن أبي مُعَيْط والنضر بن الحارث يوم بدر صَبْراً ، وفادى سائر أسارى بدر ، ومَنّ على ثُمامة بن أُثَال الحنفي وهو أسير في يده ، وأخذ من سلمة بن الأكْوَع جارية ففدى بها أناساً من المسلمين ، وهبط عليه عليه السلام قوم من أهل مكة فأخذهم النبيّ صلى الله عليه وسلم ومنّ عليهم ، وقد منّ على سَبْيِ هوازن.
وهذا كله ثابت في الصحيح ، وقد مضى جميعه في (الأنفال) وغيرها.
قال النحاس: وهذا على أن الآيتين محكمتان معمول بهما ؛ وهو قول حسن ، لأن النسخ إنما يكون لشيء قاطع ، فإذا أمكن العمل بالآيتين فلا معنى للقول بالنسخ ، إذا كان يجوز أن يقع التعبُّد إذا لقينا الذين كفروا قتلناهم ، فإذا كان الأسر جاز القتل والاسترقاق والمفاداة والمنّ ؛ على ما فيه الصلاح للمسلمين.
وهذا القول يروى عن أهل المدينة والشافعي وأبي عبيد ، وحكاه الطحاوي مذهباً عن أبي حنيفة ، والمشهور عنه ما قدّمناه ، وبالله عز وجل التوفيق.
الرابعة قوله تعالى: {حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا} قال مجاهد وابن جبير: هو خروج عيسى عليه السلام.
وعن مجاهد أيضاً: أن المعنى حتى لا يكون دين إلا دين الإسلام ؛ فَيُسْلِم كلّ يهوديّ ونصراني وصاحب مِلّة ، وتأمن الشاة من الذئب.
ونحوه عن الحسن والكلبي والفرّاء والكسائي.
قال الكسائي: حتى يُسْلِم الخلق.
وقال الفرّاء: حتى يؤمنوا ويذهب الكفر.
وقال الكلبي: حتى يظهر الإسلام على الدِّين كله.
وقال الحسن: حتى لا يعبدوا إلا الله.