وَهَاهُنَا مَسْأَلَةٌ مَشْهُورَةٌ ذَكَرَهَا سِيبَوَيْهِ، وَهِيَ أَنَّكَ تَقُولُ: مَا أَبْغَضَنِي لَهُ، وَمَا أَحَبَّنِي لَهُ، وَمَا أَمْقَتَنِي لَهُ: إِذَا كُنْتَ أَنْتَ الْمُبْغِضَ الْكَارِهَ، وَالْمُحِبَّ الْمَاقِتَ، فَتَكُونُ مُتَعَجِّبًا مِنْ فِعْلِ الْفَاعِلِ، وَتَقُولُ: مَا أَبْغَضنِي إِلَيْهِ، وَمَا أَمْقَتَنِي إِلَيْهِ، وَمَا أَحَبَّنِي إِلَيْهِ: إِذَا كُنْتَ أَنْتَ الْبَغِيضُ الْمَمْقُوتُ، أَوِ الْمَحْبُوبُ، فَتَكُونُ مُتَعَجِّبًا مِنَ الْفِعْلِ الْوَاقِعِ عَلَى الْمَفْعُولِ، فَمَا كَانَ بِاللَّامِ فَهُوَ لِلْفَاعِلِ، وَمَا كَانَ بِـ"إِلَى"فَهُوَ لِلْمَفْعُولِ.
وَأَكْثَرُ النُّحَاةِ لَا يُعَلِّلُونَ بِهَذَا، وَالَّذِي يُقَالُ فِي عِلَّتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ: إِنَّ اللَّامَ تَكُونُ لِلْفَاعِلِ فِي الْمَعْنَى، نَحْوُ قَوْلِكَ: لِمَنْ هَذَا؟ فَيُقَالُ: لِزَيْدٍ، فَيُؤْتَى بِاللَّامِ. وَأَمَّا"إِلَى"فَتَكُونُ لِلْمَفْعُولِ فِي الْمَعْنَى، فَتَقُولُ: إِلَى مَنْ يَصِلُ هَذَا الْكِتَابُ؟ فَتَقُولُ: إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، وَسِرُّ ذَلِكَ أَنَّ اللَّامَ فِي الْأَصْلِ لِلْمِلْكِ وَالِاخْتِصَاصِ، وَالِاسْتِحْقَاقُ إِنَّمَا يَكُونُ لِلْفَاعِلِ الَّذِي يَمْلِكُ وَيَسْتَحِقُّ، وَ"إِلَى"لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ، وَالْغَايَةُ مُنْتَهَى مَا يَقْتَضِيهِ الْفِعْلُ فَهِيَ بِالْمَفْعُولِ أَلْيَقُ؛ لِأَنَّهَا تَمَامُ مُقْتَضَى الْفِعْلِ، وَمِنَ التَّعَجُّبِ مِنْ فِعْلِ الْمَفْعُولِ قَوْلُ كعب بن زهير فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
فَلَهْوَ أَخْوَفُ عِنْدِي إِذْ أُكَلِّمُهُ ... وَقِيلَ إِنَّكَ مَحْبُوسٌ وَمَقْتُولُ
مِنْ خَادِرٍ مِنْ لُيُوثِ الْأُسْدِ مَسْكَنُهُ ... بِبَطْنِ عَثَّرَ غِيلٌ دُونَهُ غِيلُ
فَأَخْوَفُ هَاهُنَا، مِنْ خِيفَ فَهُوَ مَخُوفٌ لَا مِنْ خَافَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: مَا أَجَنَّ زَيْدًا، مِنْ جُنَّ فَهُوَ مَجْنُونٌ، هَذَا مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ وَمَنْ وَافَقَهُمْ.