4 -والتدرُّج كما يكون إلى أعلى، يكون كذلك إلى الأدنى، كما ذكر الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى:"وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ" [البقرة: 168] ، فهو يأمر أولاً بالسوء، وهو يتناول جميع المعاصي، ثم يأمر بالفحشاء، وهي أبشع أنواع السوء، ثم يأمر بما هو أقبح من الفحشاء، وهو القول على الله بغير علم، ويدخل في الآية أن الشيطان يدعو إلى الصغائر ثم الكبائر ثم الكفر [3] ، فالشيطان يحتال ويزين ويستدرج العصاة إلى طاعته.
5 -وللتدرُّج أهمية قصوى في عملية التعليم، وبناء الأفكار أو هدمها، كما في عملية (الإقناع القسري) أو (غسيل المخ) .
وقد ذكر ابن حجر - رحمه الله تعالى - في الفتح تعليقًا على ما ذكره البخاري - رحمه الله تعالى - في كتاب العلم: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخوَّلنا بالموعظة في الأيام كراهةَ السآمة علينا".
يقول: (وفيه رفقُ النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه، وحسن التوصل إلى تعليمهم، ليأخذوا عنه بنشاط لا عن ضجر ولا ملل، ويُحتَذَى به في ذلك؛ فإن التعليم بالتدريج أخفُّ مُؤْنَة، وأدعى إلى الثبات) [4] .
هذا، والطفل يتعلم المشي بالتدريج، ويتكلم بالتدريج، كما يطعم بالتدريج، وإذا كان التعليم بالتدريج، فإن التربية تكون كذلك.
أثر التدرج في التربية:
1 -من وجهة نظر علماء التربية، فإن منهج التربية يهدف إلى الحصول على الخبرة، والخبرة لا تأتي دفعة واحدة، بل بالممارسة وبالتعليم، بالتدريج شيئًا فشيئًا، ليتم اكتساب المهارات والقدرات مع مراعاة المراحل العمرية.
2 -من وجهة نظر علماء النفس، فلهم آراء مختلفة في نظرياتهم ومدارسهم، لكن لهم جهود ومحاولات في تتبُّع ورصد القدرات والتغيرات الجسمية والنفسية والعقلية في مراحل وأحوال النمو المختلفة، فعلى سبيل المثال: في علم نفس النمو نجد رصدًا للفئات العمرية وخصائص كل فئة أو مرحلة، والترقي من مرحلة إلى مرحلة، كذلك نجد التدرج في نمو القدرات الجسمية والذهنية والاجتماعية منذ الطفولة حتى أعلى مرحلة للنمو (الهضبة أو القمة) .