فاقشعرت جلودهم وقلوبهم من خشية الله لمواعظه وزواجره، ثم تلين لبشاراته
ومواعده بجزيل ثوابه وكريم مآبه.
أتبع ذلك قوله: (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ...(24)
انتظم معنى هذه بمعنى ما تقدم من قوله: (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ)
إلى قوله:(لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ
يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ).
(أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ثُمَّ حذف ما قد دل
عليه ما ذكره في قوله: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا) إلى
قوله: (لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) .
يقول - جل من قائل: (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
كمن هو في الغرفات من الآمنين في النعيم المقيم، أو ما يكون من
الكلام معبرًا عن هذا بيان معنى قوله وهو أعلم: (يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ) هو كما
قال: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ(48) . وقد قيل،
والله أعلم: إن الشقي - نعوذ بالله العظيم من سوء مصيره - تقرن ناصيته من ورائه
إلى رجليه ويسحب في النار على ذلك.
قوله تعالى: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(27)
بالأمال تفهم المعاني الغائبة وتذكر المعالم بأشباهها، أشار بهذا
الخطاب - وهو أعلم - إلى ما تقدم ذكره من الأمثال.
ثم ما يأتي به بعد هذا قوله: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ ...(29)
أي: مخالفون يضاد بعضهم بعضًا في آرائهم وإراداتهم فيه وفيه(وَرَجُلًا سَلَمًا
لِرَجُلٍ)يقرأ: سَلَمًا وسِلْمًا وسَالمًا، يعبر بذلك عن التوحيد والإشراك، يقول: هل
يستوي حال هذا العبد المنقم المشترك فيه، والعبد الموحد لسيد واحد، ثم حمد