يقول عز من قائل:(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي
الْأَرْضِ)انظروا إلى ما بين أيديكم من السماء والأرض، ألسنا ننزل
الماء من السماء التي هي جنة حكمًا إلى الأرض التي أحييناها بالماء الذي أنزلناه
من دار الحيوان، حكما لذلك أحيينا به الأرض بعد موتها وجعلنا منه كل شيء حي،
فهي أيضًا جنة حكمًا بما جعلنا فيها من جنات من نخيل وأعناب وجنات
معروشات وغير معروشات تجري من تحتها الأنهار.
قول عز من قائل: ثم سلكناه ينابيع في الأرض(فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ
بِخَازِنِينَ)بل نحن اخترناه لكم في الأرض جنة أيضًا تجري من تحتها
أنهارها كما التي فوقكم تجري تحتها أنهارها، منها أنزلناه إليكم كذلك إلى ما على
درجات بعضهن فوق بعض، كما جهنم فيها تحتكم دركات بعضهن تحت بعض،
فوصف الجنات بانها بعض فوق بعض، ووصف جهنم - أعاذنا الله منها - بأنها
دركات بعضهن تحت بعض.
ثم أخذ بعد هذا في وصف الدنيا بقوله الحق:(ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا
أَلْوَانُهُ)هذا من وصف الجنة، ثم قال: (ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا)
هذا من وصف جهنم، فهذه الأرض جنة تجري من تحتها أنهارها بما
يعتورها من فتح الله برحمته من جنات هي فوقها، وهي أيضًا درك من أدراك جهنم
-أعاذنا الله منها - بما يعتورها من تعاقب الفيحَين سعيرًا وزمهريرًا، لذلك يكون
مدفن المؤمن في بطنها روضة من رياض الجنة، ويكون مدفن الكافر في بطنها
حفرة من حفر النار، كما قاله - جلَّ جلالُه - وأنبأ به: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ(60) .
(ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي
ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (21) . هذه ثلاثة أمثال: مثل للعلم، ومثل للعمل،
ومثل للدنيا في الآخرة، وكثير ما يضرب الله تعالى الأمثال بالوحي بالماء ينزله من
السماء بواسطة الملائكة، وقد تقدم من ذلك إيماء يبعث الحريص على تطلبها إن