وقلنا: إن اللسان هو جارحة التذوق بمراحله وما حوله يذوق ويُميِّز الطعوم، فإذا ما تجاوز الطعامُ هذه المنطقة فلا يشعر الإنسان له بأيِّ مذاق، ولذلك رأينا صناع الدواء يُغلفون الدواء المرّ بمادة مُستساغة مقبولة، تساعد على مرور الدواء من منطقة التذوق دون أنْ نشعر بمرارته.
وإذا نظرتَ إلى الجوارح كلها تجد أنها مُتعلقة بالغير، فأنا أسمع غيري وأرى غيري، وألمس غيري أو بعضي، أما الذوق فخاص بالإنسان نفسه، فلا يذوق إنسانٌ لآخر؛ لذلك اختار الله سبحانه هذه الجارحة في إظهار شدة العذاب وألمه {ذُوقُواْ} [الزمر: 24] وفي موضع آخر (ذُقْ) . لا رؤية ولا سماع ولا شم ولا لمس، إنما بالذوق الذي هو خاص بصاحبه، وكأن لكل واحد منهم مذاقاً يناسب عذابه.
وإذا كان للذوق منطقة خاصة هي اللسان بمراحله وما حوله، فالذوق هنا أراده الله عاماً وشاملاً، ليس في منطقة الذوق، ولكن الجسم كله يذوق العذاب، بدليل قوله سبحانه:
{كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ .. } [النساء: 56] فالإذاقة هنا تعدَّت منطقة الذوق إلى الجسم كله.
وإذا ما نظرنا إلى قوله تعالى - بالاعتبار - في القرية التي كانت آمنة مطمئنة فكفرتْ بأنْعُم الله، قال الله فيها:
{فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ .. } [النحل: 112] فكأن الإذاقة تلبسهم وتحيط بهم من كل ناحية.
والشعراء عادة حينما يبالغون في شيء يُعدّونه من منطقة الحِسِّ له إلى كل المناطق، وقد اعتاد الشعراء على ذكر القلب، وأنه محلُّ الحب، ومن ذلك قول الشاعر:
وَدَاعٍ دَعَا إذْ نَحْنُ بالخِيف مِنْ مِنَى ... فَهَيّجَ أحْزَانَ الفُؤادِ ومَا يَدْري
دَعَا باسْم لَيْلَى غيرها فَكَأنَّمَا ... أَهَاجَ بِلَيْلَى طَائِراً كانَ فِي صَدْري
وقال الآخر:
كأنَّ القلبَ لَيْلَة قِيلَ يُغْدَى ... بِلَيْلَى العَامِرية أوْ يُرَاحُ
قطاةٌ عزَّها شَرَكٌ فَبَاتتْ ... تجاذبه وقَدْ عَلَقَ الجنَاحُ
أما الشاعر الذي أراد المبالغة في هذه المسألة فقال:
خَطَراتُ ذِكْرِكَ تَسْتَثِيرُ مَودَّتِي ... فَأُحِسُّ مِنْها فِي الفُؤَادِ دَبِيبا
لاَ عُضْو لِي إِلاَّ وَفيهِ صَبابةٌ ... فَكأنَّ أعْضائي خُلِقْنَ قُلُوبَا
فالحب عنده تَعدَّى مَنطقته، حتى صار في كل أعضائه وجوارحه، وهكذا تتعدى الإذاقةُ منطقة الذَّوْق لتشملَ الجسم كله.
لذلك كان قوله تعالى: