سقط النصيف ولم ترد إسقاطه
فتناولْته واتَّقتنا باليد...
وإذا كان وجه الإنسان ليس من شأنه أن يُوقى به شيء من الجسد ، إذ الوجه أعزّ ما في الجسد وهو يُوقَى ولا يُتقى به فإن من جبلِّة الإِنسان إذا توقع ما يصيب جسده ستر وجهه خوفاً عليه ، فتعين أن يكون الاتقاء بالوجه مستعملاً كناية عن عدم الوقاية على طريقة التهكم أو التلميح ، فكأنه قيل: من يطلب وقاية وجهه فلا يجد ما يقيه به إلا وجهه ، وهذا من إثبات الشيء بما يشبه نفيه ، وقريب منه قوله تعالى: {وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل} [الكهف: 29] .
و {سُوءَ العَذَابِ} منصوب على المفعولية لفعل {يَتَّقِي} .
وأصله مفعول ثان إذ أصله: وَقَى نفسه سوءَ العذاب ، فلما صيغ منه الافتعال صار الفعل متعدياً إلى مفعول واحد هو الذي كان مفعولاً ثانياً.
{القيامة وَقِيلَ لِلظَّلِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ}
يجوز أن يكون {وَقِيلَ} عطفاً على الصلة.
والتقدير: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب ، وقيل لهم فإن (مَن) مراد بها جمْع ، والتعبير بـ {الظالمين} إظهار في مقام الإِضمار للإِيماء إلى أن ما يلاقونه من العذاب مسبب على ظلمهم ، أي شركهم.
والمعنى: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب فلا يجد وقاية تنجيه من ذوق العذاب فيقال لهم: ذُوقوا العذاب.
ويجوز أن يكون المراد بـ {الظالمين} جميع الذين أشركوا بالله من الأمم غير خاص بالمشركين المتحدث عنهم ، فيكون {الظالمين} إظهاراً على أصله لقصد التعميم ، فتكون الجملة في معنى التذييل ، أي ويقال لهؤلاء وأشباههم ، ويظهر بذلك وجه تعقيبه بقوله تعالى: {كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم} [الزمر: 25] .
وجاء فعل {وَقِيلَ} بصيغة المضيّ وهو واقع في المستقبل لأنه لتحقق وقوعه نزل منزلة فعل مضَى.
ويجوز أن يكون جملة {وقِيلَ للظالمين} في موضع الحال بتقدير (قد) ولذلك لا يحتاج إلى تأويل صيغة المضيّ على معنى الأمر المحقق وقوعه.