وقد عدّ عياض في"الشفاء"من وجوه إعجاز القرآن: الروعة التي تلحق قلوب سامعيه عند سماعه والهيبةَ التي تعتريهم عند تلاوته لعلوّ مرتبته على كل كلام من شأنه أن يهابه سامعه ، قال تعالى: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية اللَّه وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون} [الحشر: 21] .
وعن أسماء بنت أبي بكر كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرئ عليهم القرآن كما نعتهم الله تدمَع أعينهم وتقشعرّ جلودهم.
وخص القشعريرة بالذين يخشون ربهم باعتبار ما سيردف به من قوله: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم} كما يأتي ، قال عياض:"وهي ، أي الروعة التي تلحق قلوب سامعيه عند سماعه ، على المكذبين به أعظم حتى كانوا يستثقلون سماعه كما قال تعالى:"
{وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولَّوا على أدبارهم نفوراً} [الإسراء: 46] .
وهذه الروعة قد اعْترت جماعة قبل الإِسلام ، فمنهم من أسلم لها لأوللِ وهلة.
حُكي في الحديث الصحيح عن جبير بن مطعم قال:"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ قوله تعالى: {أم خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} إلى قوله: {المصيطرون} [الطور: 35 37] كاد قلبي أن يطير وذلك أول ما وُقر الإِسلام في قلبي".
ومنهم من لم يسلم ، روي عن محمد بن كعب القرظي قال:"أخبرت أن عتبة بن ربيعة كلّم النبي صلى الله عليه وسلم في كفّه عن سبِّ أصنامهم وتضليلهم ، وعرض عليه أموراً والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع فلما فرغ قال له النبي صلى الله عليه وسلم اسمع ما أقول ، وقَرأ عليه {حم} [فصلت: 1] حتى بلغ قوله: {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} [فصلت: 13] فأمسك عتبة على فم النبي صلى الله عليه وسلم وناشده الرحِم أن يكفّ"أي عن القراءة.