وافتتاح الجملة باسم الجلالة يؤذن بتفخيم أحسن الحديث المنزل بأن منزّله هو أعظم عظيم ، ثم الإِخبار عن اسم الجلالة بالخبر الفعلي يدل على تقوية الحُكم وتحقيقه على نحو قولهم: هو يعطي الجزيل ، ويفيد مع التقوية دلالة على الاختصاص ، أي اختصاص تنزيل الكتاب بالله تعالى ، والمعنى: الله نزّل الكتاب لا غيرُه وضَعه ، ففيه إثبات أنه منزّل من عالم القدس ، وذلك أيضاً كناية عن كونه وحياً من عند الله لا من وضع البشر.
فدلت الجملة على تقوَ واختصاص بالصراحة ، وعلى اختصاص بالكناية ، وإذ أخذ مفهوم القصْر ومفهوم الكناية وهو المغاير لمنطوقهما كذلك يؤخذ مغاير التنزيل فعلاً يليق بوضع البشر ، فالتقدير: لا غير الله وضَعه ، ردّاً لقول المشركين: هو أساطير الأولين.
والتحقيق الذي درج عليه صاحب"الكشاف"في قوله تعالى: {اللَّه يستهزئ بهم} [البقرة: 15] هو أن التقوى والاختصاص يجتمعان في إسناد الخبر الفعلي إلى المسند إليه ، ووافقه على ذلك شرّاح"الكشاف".
ومفاد هذا التقديم على الخبر الفعلي فيه تحقيقٌ لما تضمنته الإِضافة من التعظيم لشأن المضاف في قوله تعالى: {مِن ذِكرِ الله} [الزمر: 22] كما علمتَه آنفاً ، فالمراد بـ {أحْسَنَ الحدِيثِ} عين المراد بـ {ذِكرِ الله} وهو القرآن ، عدل عن ذكر ضميره لقصد إجراء الأوصاف الثلاثة عليه.
وهي قوله: {كِتاباً مُتشابِهاً مثَاني تَقْشَعر منه جلودُ الذين يخشونَ ربَّهُم} الخ ، فانتصب {كِتاباً} على الحال من {أحْسَنَ الحدِيثِ} أو على البدلية من {أحْسَنَ الحدِيثِ} ، وانتصب {مُتَشَابهاً} على أنه نعتُ {كِتَاباً} .
الوصف الأول: أنه أحسن الحديث.
أي أحسن الخبر ، والتعريف للجنس ، والحديث: الخبر ، سمي حديثاً لأن شأن الإِخبار أن يكون عن أمر حدث وجدّ.
سمي القرآن حديثاً باسم بعض ما اشتمل عليه من أخبار الأمم والوعد والوعيد.