والاستعانة حال للقلب ينشأ من معرفته بالله تعالى، والإيمان بتفرده بالخلق والتدبير، والضر والنفع، والعطاء والمنع، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فيوجب للعبد ذلك اعتماداً على ربه، واستعانةً به، وثقةً به، ويقيناً بكفايته.
والاستعانة تجمع أصلين:
الثقة بالله .. والاعتماد عليه.
فالعبد قد يثق بالواحد من الناس وهو مع ذلك لا يعتمد عليه لاستغنائه عنه، وقد يعتمد عليه مع عدم ثقثه به لحاجته إليه، ولعدم من يقوم مقامه، فيحتاج إلى اعتماده عليه مع أنه غير واثق به.
والله عزَّ وجلَّ هو الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته، وهو المعبود المستعان في كل أمر كما قال سبحانه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) } [الفاتحة: 5] .
والاستعانة جزء من العبادة، والعبادة حق الله الذي أوجبه على عباده، والاستعانة طلب العون على العبادة، وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة له من الله أعظم.
والاستعانة بالله لها وجهان:
أحدهما: أن يسأل الله تعالى من ألطافه ما يقوي دواعيه، ويسهل الفعل عليه.
الثاني: أن يطلب باستعانته بقاء كونه قادراً على طاعة ربه مستقبلاً، بأن تجدد له القدرة حالاً بعد حال.
والناس في العبادة والاستعانة أربعة أقسام:
الأول: أهل العبادة والاستعانة بالله عليها، وهؤلاء أجل الأقسام وأفضلهم.
الثاني: أهل الإعراض عن العبادة والاستعانة بالله، وهؤلاء هم شر البرية.
الثالث: من له نوع عبادة بلا استعانة أو باستعانة ناقصة، فهؤلاء لهم نصيب من التوفيق والنفوذ بحسب استعانتهم وتوكلهم، ولهم من الخذلان والضعف والمهانة والعجز بحسب قلة استعانتهم.
الرابع: الذين يشهدون تفرد الله بالنفع والضر، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولم يدوروا مع ما يحبه الله ويرضاه، ومع ذلك توكلوا عليه واستعانوا به على حظوظهم وشهواتهم، فهؤلاء لا عاقبة لهم، وما أعطوه من جنس الملك الظاهر والأموال التي لا تستلزم الإسلام فضلاً عن الولاية والقرب من الله تعالى.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. انتهى انتهى {موسوعة فقه القلوب، للشيخ/ محمد بن إبراهيم التويجري} ...