فإذا وضع العبد قدمه في هذه الدرجة انتقل منها إلى درجة الرضا، وهي ثمرة التوكل وأعظمها فائدة.
فإنه إذا توكل حق التوكل رضي بما يفعله وكيله.
وباستكمال هذه الدرجات يستكمل العبد مقام التوكل، وتثبت قدمه فيه.
والتوكل له تعلق بعامة أسماء الله وصفاته كالغفار والعزيز، والرحمن والتواب، والفتاح والرزاق، والقوي والقدير، والمعطي والمانع ونحو ذلك.
وبحسب معرفة العبد بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، يصح له مقام التوكل، وكلما كان بالله أعرف كان توكله على ربه أقوى.
وكان الناس في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - على قسمين:
الأول: من عنده الأشغال الكسبية، وهؤلاء عامة الصحابة رضي الله عنهم.
الثاني: من ليس عنده الأشغال الكسبية، كأصحاب الصفة رضي الله عنهم.
ومن كان عندهم الأشغال الكسبية كان في توكلهم شيئان:
الأول: أنهم لا ينظرون إلى زيادة المال، بل ينظرون إلى تنفيذ أوامر الله ورسوله فيه ولو قل المال.
الثاني: أنهم كانوا متهيئين مع شغلهم ومستعدين للخروج في سبيل الله في أي وقت طلبهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيه، ومتى لزم الأمر، ولا يتفكرون في أموالهم، وبذلك أعطاهم الله البركة في أموالهم.
أما من ليس عنده الأشغال الكسبية ففي توكلهم ثلاثة أشياء:
أنهم كانوا لا يسألون الناس باللسان ولا بالحال .. وليس في قلوبهم إشراف لما عند الناس .. وإذا جاءت عليهم المشقة لا يخبرون أحداً بل يتوجهون إلى الله
وحده ويبكون أمام الله، وبذلك يأتيهم الفرج، وتنزل عليهم نصرة الله.
وقد وكل الله عزَّ وجلَّ بدينه أنبياءه ورسله، ومن آمن بهم، ووفقهم للإيمان به والقيام بحقه، والذب عنه، وجهاد أعدائه.
وهو توكيل رحمة وإحسان، وتوفيق واختصاص، لا توكيل حاجة كما يوكل الرجل من يتصرف عنه في غيبته لحاجته إليه.
فمن آمن بهم أسعده الله في الدنيا والآخرة، ومن كذبهم وأعرض عن هديهم فالرسل قائمون بها، مؤدون لها، مستقيمون عليها: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90) } [الأنعام: 90] .
والتوكل على ثلاث درجات: