ومن الأدلة الحسية أن السماء لو كانت مستوية لكان ارتفاع أول النهار ووسطه وآخره مستوياً ، وليس كذلك وذكر غير ذلك من الأدلة وفي هذا كفاية ، ولما ذكر لها فعل العقلاء من كونها على نظام محرر لا يختل وسير مقدر لا يعوج ولا ينحل جمعها جمعهم بقوله تعالى: {يسبحون} وقال المنجمون: قوله تعالى {يسبحون} يدل على أنها أحياء ؛ لأن ذلك لا يطلق إلا على العاقل قال الرازي: إن أرادوا القدر الذي يكون منه التسبيح فنقول به ؛ لأن كل شيء يسبح بحمده وإن أرادوا شيئاً آخر فلم يثبت ذلك والاستعمال لا يدل كما في قوله تعالى في حق الأصنام {ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون} (الصافات: -)
ولما ذكر سبحانه وتعالى ما حد له حدوداً في السباحة في وجه الفلك ذكر ما هيأ به من الفلك للسباحة على وجه الماء بقوله تعالى:
{وآية لهم} أي: على قدرتنا التامة {أنا} أي: على ما لنا من العظمة {حملنا ذريتهم} أي: آباءهم الأصول ، قال البغوي: واسم الذرية يقع على الآباء كما يقع على الأولاد والألف واللام في قوله تعالى {في الفلك} للتعريف أي: فلك نوح عليه الصلاة والسلام وهو مذكور في قوله تعالى {واصنع الفلك بأعيننا} (هود: (
وهو معلوم عند العرب ثم وصف الفلك بقوله تعالى: {المشحون} أي: الموقر المملوء حيواناً وناساً وهو يتقلب في تلك المياه التي لم ير أحد قط مثلها ولا يرى أيضاً ومع ذلك فسلمها الله تعالى ، وأيضاً الآدمي يرسب في الماء ويغرق فحمله في الفلك وقع بقدرته تعالى لكن من الطبيعيين من يقول: الخفيف لا يرسب ؛ لأنه يطلب جهة فوق فقال {الفلك المشحون} أثقل من الثقال التي ترسب ومع هذا حمل الله الإنسان فيه مع ثقله.
وقال أكثر المفسرين: إن الذرية لا تطلق إلا على الولد وعلى هذا فالمراد: إما أن يكون الفلك المعين الذي كان لنوح عليه الصلاة والسلام وإما أن يكون المراد الجنس كقوله تعالى {وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون} (الزخرف: (