ويقال: الحقُّ لا يتعلَّق به حقُّ ولا باطل؛ فلا تَنَافِيَ بين اشتغالهم بأبدانهم مع أهلهم، وشهودهم مولاهم، كما أنهم اليومَ مشغولون مستديمون لمعرفته بأي حالةٍ هم، ولا يَقْدَحُ اشتغالهم - باستيفاء حُظُوظِهم - في معارفهم.
ويقال شَغَلَ نفوسهم بشهواتها حتى يخلص الشهود لأسرارهم على غيبةٍ من إحساس النَّفْس الذي هو أصعب الرُّقباء، ولا شيء أعلى من رؤية الحبيب مع فَقْدِ الرقيب.
هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56)
{وَأَزْوَاجُهُمْ} : قيل أشكالهم في الحال والمنزلة، كقوله: {احْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ} [الصافات: 22] وقيل حَظَاياهم من زوجاتهم.
لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57)
{لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ} : أي نصيب أنفسهم. ويقال الإشارة فيها إلى راحات الوقت دون حظوظ النفس.
{وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ} : ما يريدون، ويقال تسلم لهم دواعيهم، والدعوى - إذا كانت بغير حقٍّ - معلولة.
سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58)
يسمعونَ كلامَه وسلامَه بلا واسطة، وأكَّد ذلك بقوله:"قولاً".
وبقوله: {مِّن رَّبٍّ} ليعلم أنه ليس سلاماً على لسان سفير.
{مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} والرحمةُ في تلك الحالة أن يرزقهم الرؤية في حال ما يُسَلِّم عليهم لِتَكْمُلُ لهم النعمة. ويقال الرحمة في ذلك الوقت أن يُنَقٍّيَهم في حال سماع السلام وحال اللقاء لئلا يصحبهم دهش، ولا تلحقهم حيرة.
ويقال إنما قال: {مِّن رَّبٍّ رَّحيمٍ} ليكون للعصاة من المؤمنين فيه نَفَسٌ، ولرجائهم مساغ؛ فإن الذي يحتاج إلى الرحمة العاصي.
ويقال: قال ذلك ليعلم العبدُ أنه لم يصل إليه بفعله واستحقاقه، وإنما وصل إليه برحمة ربه.
وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59)