والثاني: المراد به العاقل فهماً فيعقل ما يخاطب به فإن الغافل كالميت {وَيُحِقُّ} أي: يجب ويثبت {الْقَوْلِ} أي: العذاب {عَلَى الْكَافِرِينَ} أي: الغريقين في الكفر فإنهم أموات في الحقيقة وإن رأيتهم أحياء، ويمكن أن تكون هذه الآية من الاحتباك حذف الإيمان أولاً لما دل عليه من ضده ثانياً، وحذف الموت ثانياً لما دل عليه من ضده أولاً، وأفرد الضمير في الأول على اللفظ إشارة إلى قلة السعداء، وجمع في الثاني على المعنى إعلاماً بكثرة الأشقياء.
{وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ}
أي: من أصوافها وأوبارها وأشعارها وجلودها ونسلها وغير ذلك {وَمَشَارِبُ} أي: من ألبانها جمع مشرب بالفتح، وخص الشرب من عموم المنافع بعموم نفعه وجمعه لاختلاف طعوم ألبان الأنواع الثلاثة.
قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ}
أي: يعلم {الإِنسَانُ} علماً هو في ظهوره كالمحسوس بالبصر {أَنَّا خَلَقْنَاهُ} أي: بما لنا من العظمة {مِن نُّطْفَةٍ} أي: شيء حقير يسير من ماء لا انتفاع به بعد إبداعنا إياه من تراب وأنه من لحم وعظام {فَإِذَا هُوَ} أي: فتسبب عن خلقنا له من ذلك المفاجأة لحالة هي أبعد شيء من حالة النطفة وهي أنه {خَصِيمٌ} أي: بليغ الخصومة {مُّبِينٌ} أي: في غاية البيان عما يريده حتى إنه ليجادل من أعطاه العقل والقدرة في قدرته وأنشد الأستاذ القشيري في ذلك:
أعلمه الرماية كل يوم... فلما اشتد ساعده رماني
وكم علمته علم القوافي... فلما قال قافية هجاني
وفي هذا تسلية ثانية بتهوين ما يقولونه بالنسبة إلى إنكارهم الحشر وفيه تقبيح بليغ لإنكاره، حيث تعجب منه وجعله إفراطاً في الخصومة بيناً ومنافاته لجحود القدرة على ما هو أهون مما علمه في بدء خلقه، ومقابلة النعمة التي لا مزيد عليها وهي خلقه من أخس شيء وأمهنه شريفاً مكرماً بالعقوق والتكذيب. انتهى انتهى {السراج المنير} ...