عن الدين إلا أن طرح الألف أجود. فقول القائل: علمت بم صنعت هذا أحسن من قوله"بما صنعت"فقوله {غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} بإزاء قوله {فبشره بمغفرة وأجر كريم} ثم أشار إلى كيفية إهلاك قومه بعده قائلاً {وما أنزلنا على قومه} قال المفسرون: يجوز أن يريد بقومه الذين بقوا من أهل القرية بعد المؤمنين منهم وأن يريد به أقاربه فلعل غيرهم من قوم الرسل آمنوا فلم يصبهم العذاب. ثم قال {وما كنا منزلين} أي وما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في إهلاك قوم حبيب جنداً من السماء ، ومن هنا يعلم فضل نبينا صلى الله عليه وسلم على غيره فقد أنزل الله لأجله الجنود من السماء يوم بدر والخندق وحنين وما أنزلها لغيره من نبي فضلاً عن حبيب ، فشتان بين حبيب الجبار وبين حبيب النجار.
فالحصال أنه تعالى يقول لمحمد صلى الله عليه وسلم: إن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك وما كنا نفعله لغيرك. فمن قرأ {إلا صيحة} بالنصب أراد ما كانت الأخذة أو العقوبة إلا بسبب صيحة ، ومن قرأ بالرفع على أن"كان"التامة فمعناه ما وقعت إلا صيحة. قال جار الله: القياس والاستعمال على تذكير الفعل لأن المعنى ما وقع شيء إلا صيحة ولكنه نظر إلى ظاهر اللفظ وأن الصيحة في حكم فاعل الفعل. قلت: يجوز أن يقدر ما حدثت عقوبة. وقيل: إن التأنيث لتهويل الواقعة ولهذا جاءت أسماء الجنس كلها مؤنثة. ووصف الصيحة بواحدة للتأكيد. وقرأ ابن مسعود إلا زقية وهي الصيحة أيضاً ومنه المثل"أثقل من الزواقي"والزقاء صياح الديك ونحوه ، وذلك لأن صياح الديكة يؤل بنزول الأنس وبتبدل الفراق بالوصال.