و {أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ} فيه أوجهٌ ، أحدُها: أنه بدلٌ مِنْ"كم"قال ابن عطية:"وكم هنا خبريةٌ ، و"أنهم"بدلٌ منها ، والرؤيةُ بَصَرية". قال الشيخ:"وهذا لا يَصِحُّ ؛ لأنها إذا كانَتْ خبريةً كانَتْ في موضعِ نصبٍ ب"أهلَكْنا". ولا يَسُوغُ فيها إلاَّ ذلك . وإذا كانت كذلك امتنع أن يكون"أنَّهم"بدلاً منها ؛ لأنَّ البدلَ على نيةِ تكرار العاملِ . ولو سُلِّطت أَهْلكنا على"أنهم"لم يَصِحّ ؛ ألا ترى أنك لو قلتَ: أهلَكْنا انتفاءَ رجوعِهم ، أو أَهلكنا كونَهم لا يَرجعون ، لم يكن كلاماً . لكنَّ ابنَ عطية تَوَهَّمَ أنَّ"يَرَوْا " مفعولُه"كم"فتوَهَّم أنَّ قوله: {أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ} بدلٌ منه ؛ لأنه يُسَوِّغُ أَنْ يُسَلَّط عليه فتقول: ألم يَرَوْا أنهم إليهم لا يَرْجعون . وهذا وأمثالُه دليلٌ على ضَعْفِه في عِلْم العربية " . قلت: وهذا الإِنحاءُ تحاملٌ عليه ؛ لأنه لقائلٍ أَنْ يقول:"كم"قد جعلها خبريةً ، والخبريةُ يجوز أَنْ تكونَ معمولةً ل ما قبلها عند قومٍ ، فيقولون:"ملكتُ كم عبدٍ"فلم يَلْزَمْ الصدرَ ، فيجوزُ أَنْ يكونَ بنى هذا التوجيهَ على هذه اللغةِ وجعل"كم"منصوبةً ب"يَرَوْا"و"أنهم"بدلٌ منها ، نَ التي أهلكناها وليس هو ضعيفاً في العربية حينئذٍ .
الثاني: أنَّ"أنَّهم"بدلٌ من الجملةِ قبلَه . قال الزجاج:"هو بدلٌ من الجملة ، والمعنى: ألم يَرَوْا أن القروأنهم لا يَرْجِعون ؛ لأنَّ عَدَمَ الرجوعِ والهلاكَ بمعنى". قال الشيخ:"وليس بشيءٍ ؛ لأنه ليس بدلاً صناعياً ، وإنما فَسَّر المعنى ولم يَلْحَظ صناعةَ النحو". قلت: بل هو بدلٌ صناعي ؛ لأنَّ الجملةَ في قوة المفرد ؛ إذ هي سادَّةٌ مَسَدَّ مفعولِ"يَرَوْا"فإنها معلِّقَةٌ لها كما تقدَّم .