قوله: {إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ} جَرَّد خبرَ"إنَّ"هذه من لام التوكيد ، وأَدْخَلها في خبر الثانيةِ ، لأنَّهم في الأولى استعملوا مجرَّدَ الإِنكارِ فقابَلَتْهم الرسُلُ بتوكيدٍ واحدٍ وهو الإِتيانُ ب"إنَّ"، وفي الثانيةِ بالمبالغة في الإِنكار فقابَلَتْهم بزيادة التوكيدِ فأتَوْا ب إنَّ وباللام .
قال أهل البيان: الأخبارُ ثلاثةُ أقسامٍ: ابتدائيٌّ وطلبيٌّ وإنكاريٌّ ، فالأولُ يُقال لمن لم يتردَّدْ في نسبةِ أحدِ الطرفين إلى الآخر نحو: زيد عارفٌ ، والثاني لِمَنْ هو متردِّدٌ في ذلك ، طالِبٌ له منكِرٌ له بعضَ إنكارٍ ، فيقال له: إنَّ زيداً عارِفٌ ، والثالثُ لِمَنْ يبالِغُ في إنكارِه ، فيُقال له: إنَّ زيداً لعارِفٌ . ومِنْ أحسن ما يُحْكى أن رجلاً جاء إلى أبي العباس الكِنْدِيِّ فقال: إني أجد في كلامِ العربِ حَشْواً قال: وما ذاك؟ قال: يقولون: زيدٌ قائمٌ ، وإنَّ زيداً قائمٌ ، وإنَّ زيداً لَقائمٌ . فقال:"كلا بل المعاني مختلفةٌ ، فزيد قائمٌ إخبارٌ بقيامِه ، وإنَّ زيداً قائمٌ جوابٌ لسؤالِ سائلٍ ، وإنَّ زيداً لَقائمٌ جوابٌ عن إنكارِ مُنْكِرٍ". قلت: هذا هو الكنديٌّ الذي سُئل أن يعارِضَ القرآنَ ففتح المصحفَ فرأى سورةَ المائدةِ فكعَّ عن ذلك . والحكايةُ ذكرتُها أولَ المائدة .
وقال الشيخ:"وجاء أولاً"مُرْسَلون"بغير لام ؛ لأنه ابتداءُ إخبارٍ فلا يَحْتاجُ إلى توكيدٍ ، وبعد المحاورة"لَمُرْسَلون"بلامِ التوكيد ؛ لأنه جوابٌ عن إنكار"وهذا قصورٌ عن فَهْم ما قاله أهلُ البيان ، فإنه جَعَلَ المقام الثاني وهو الطلبيُّ مكانَ المقامِ الأولِ ، وهو الابتدائيُّ .
قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19)