قوله: {مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ} يجوزُ أَنْ تكونَ"ما"هذه بمعنى الذي ، وأَنْ تكونَ نكرةً موصوفةً . والعائدُ على الوجهين مقدَّرٌ أي: ما أُنْذِرَه آباؤهم فتكونُ"ما"وصلتُها أو وَصْفُها في محلِّ نصب مفعولاً ثانياً لقولِه:"لتُنْذِرَ"كقولِه: {إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً} [النبأ: 40] والتقدير: لتنذرَ قوماً الذي أُنْذِرَه آباؤهم مِن العذابِ ، أو لتنذرَ قوماً عذاباً أُنْذِرَه آباؤهم . ويجوز أَنْ تكونَ مصدريةً أي: إنذارَ آبائهم أي: مثلَه . ويجوزُ أَنْ تكونَ نافيةً ، وتكونُ الجملةُ المنفيةُ صفةً ل"قوماً"أي: قوماً غيرَ مُنْذَرٍ آباؤهم . ويجوزُ أَنْ تكونَ زائدةً أي: قوماً أُنْذِر آباؤهم ، والجملةُ المثبتةُ أيضاً صفةٌ ل"قوماً"قاله أبو البقاء وهو مُنافٍ للوجهِ الذي قبلَه .
إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8)
قوله: {فَهِىَ إِلَى الأذقان} : في هذا الضميرِ وجهان ، أحدهما: - وهو المشهورُ - أنه عائدٌ على الأَغْلال ، لأنها هي المُحَدَّثُ عنها ، ومعنى هذا الترتيبِ بالفاءِ: أن الغِلَّ لغِلَظِه وعَرْضِه يَصِلُ إلى الذَّقَنِ لأنه يَلْبَسُ العُنُقَ جميعَه . الثاني: أن الضميرَ يعودُ على الأَيدي ؛ لأنَّ الغِلَّ لا يكونُ إلاَّ في العُنُقِ واليدين ، ولذلك سُمِّي جامِعَةً . ودَلَّ على الأيدي هذه الملازَمَةُ المفهومةُ من هذه الآلةِ أعني الغِلَّ . وإليه ذهب الطبري . إلاَّ أنَّ الزمخشريَّ قال:"جعل الإِقْماحَ نتيجةَ قولِه: {فَهِىَ إِلَى الأذقان} ولو كان للأيدي لم يكن معنى التَّسَبُّبِ في الإِقماحِ ظاهراً . على أنَّ هذا الإِضمارَ فيه ضَرْبٌ من التعسُّفِ وتَرْكِ الظاهر". /