يس 16 في أمور نظنكم فيها كاذبين، فقد تطيَّرنا بكم يعني تشاءمنا. والتطيُّر من الطَّيَرة. وكانت عادة معروفة عند العرب، فكانوا حين يريد الواحد منهم عمل شيء، يأتي إلى طير فيزجره ويُطلقه، فيرى إلى أين يطير فإنْ طار إلى اليمين أمضى ما ينوي عليه، وإنْ طار إلى اليسار أمسك وتشاءم، وقد حَرَّم الإسلامُ هذه العادة ونهى عنها. وقولهم {لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ} يس 18 أي عما تقولونه من أنكم مُرْسَلُون بمنهج {لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} يس 18 فجمعوا عليهم الرجم والعذاب الأليم، والرجم غير العذاب، الرجم رَمْيٌ بالحجارة حتى الموت، فهو إنهاء للعذاب لأن التعذيب إيلام حي، فمَنْ مات لا يستطيع أنْ تُعذِّبه، لذلك قالت العرب لا يضير الشاة سلخها بعد ذبحها. لذلك لما ادَّعى أحد القضاة أن القرآن ليس فيها نَصٌّ على الرجم قلنا لهم صحيح، ليس في القرآن آية تنص على الرجم، لكن أيهما أقوى في التقنين الكلام أم الفعل؟ أيهما يُعَدُّ حُجة؟ لا شكَّ أن الفعل أقوى حجة، لأن الكلام يمكن أنْ يؤوَّل، أمَّا الفعل فلا تأويل فيه، وقد فعل الرسول صلى الله عليه وسلم الرجم في ماعز والغامدية. إذن الاحتجاج هنا ليس بالنصِّ القولي، إنما الفعل من رسول الله الذي فوَّضه الله في أنْ يشرع، وأمرنا بطاعة أوامره، فقال سبحانه
{وَمَآ آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ}
الحشر 7 والحق سبحانه لا يأمرنا هذا الأمر إلا إذا كان قد ترك لرسول الله أموراً يُشرعها. وهذه من ميزاته صلى الله عليه وسلم على غيره من الرسل، فكل رسول ما عليه إلا أنْ يُبلِّغ الحكم كما جاءه من الله، أما سيدنا رسول الله فأُمِر أن يُبلِّغَ عن الله، وترك له بعض الأمور، وفوّض أنْ يشرِع فيها. لذلك جاءت هذه الآية
{وَمَآ آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ}
الحشر 7. لذلك حين نستقرئ آيات الطاعة تجد القرآن يقول مرة
{وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ}
المائدة 92. ويقول في آية أخرى
{وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ}
آل عمران 132. ويقول
{وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ}