فلما كذَّبوا وأنكروا للمرة الثانية كان لا بُدَّ من تأكيد الكلام على هذا النحو {إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} يس 16 وكل كلمة من هذه العبارة فيها تأكيد، أولاً بإنَّ، ثم أسلوب القصر في تقديم الجار والمجرور إليكم، ثم لام التوكيد في لمرسلون، إذن على قَدْر الإنكار يكون التأكيد، وهؤلاء ينكرون الرسالة من عدة وجوه أولاً {قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} يس 15، ثم {وَمَآ أَنَزلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ} يس 15، ثم {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ} يس 15. وقولهم {مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} يس 15 يعتبرون أن بشرية الرسل قَدْح في الرسالة، لكن كيف تتحقق الرسالة إذا لم يكُنْ الرسول من البشر؟ الحق سبحانه يناقشهم هذه المسألة في موضع آخر، فيقول سبحانه
{وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً * قُل لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً}
الإسراء 94 - 95. هذا أول ردٍّ عليهم، فالذين يمشون على الأرض بشر ليسوا ملائكة. وفي موضع آخر يجاري الحق الخَلْق، فيقول وحتى لو جاء الرسول مَلَكاً لا بُدَّ أن ينزل على صورة البشر
{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً}
الأنعام 9 وإلا كيف تروْنه؟ وكيف تتلقَّوْن منه على صورته الملائكية. إذن لا بُدَّ أنْ يكون الرسول من جنس المرسَل إليهم لتِصحَّ الأُسْوة فيه، وكيف تتحقق الأسوة في الرسول الملَك، وهو لا يعصي الله أصلاً، والرسول مُطالب أنْ يُبلِّغ منهج الله، وأنْ يُطبقه بنفسه، لذلك قال سبحانه
{لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}