ما مات النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - حتى عَرَجَ (1) الإسلام جزيرة العرب ودخل الناس في دين الله أفواجاً، ولا شك أن الذين ماتوا على الكفر هم الأقل بالنسبة لمن آمنوا، فما معنى قوله تعالى: {حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ} ؟.
جوابه:
الذين قام النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - بإنذارهم وأقام بين ظهرانيهم مكرراً للنذارة عليهم صباح مساء، مدة ثلاث عشرة سنة، هم أهل مكة؛ فهم الذين تتعين إرادتهم من الضمير في قوله تعالى: {أَكْثَرِهِمْ} ولا شك أن أكثر من أنذرهم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - من أهل مكة ماتوا على الكفر.
سؤال على هذا الجواب:
هذا يقتضي أن المراد بلفظة"قوماً"المتقدمة: أهل مكة مع أن المفسرين فسروها بالعرب.
جوابه:
نسلم بهذا، ويكون تفسير"قوماً"بالعرب نظراً لمماثلتهم لأهل مكة في وجوب إنذارهم، باعتبار مشاركتهم لهم في الوصف، وهو غفلتهم لعدم إنذار آبائهم.
لا حجة لمن مات على كفره بما سبق من علم الله فيه:
قامت حجة الله على خلقه بما ركب فيهم من عقل، وما مكنهم من اختيار، وما نصب لهم (2) من آيات مشاهدات، وما أرسل إليهم من رسل بآيات بينات.
وهذه كلها أمور معلومة لديهم، ضرورية عندهم، لا يستطيعون أن ينكروا شيئاً منهاة فلا يمكنهم أن يجحدوا ما عندهم من عقل ومن اختيار، ولا أن ينفوا ما يشاهدونه من الآيات في المخلوقات، ولا أن ينكروا مجيء الرسل إليهم وما تلوا عليهم من آيات.
وبهذه الأشياء قامت حجة الله عليهم، وكان جزاؤهم على ما اختاروه بعدها لأنفسهم.
فأما ما سبق من علم الله فهو أمر مغيب عنهم، غير مؤثر فيهم؛ لأن العلم ليس من صفات التأثير ولا دافع لهم، فليس لهم أن يحتجوا به لأنفسهم؛ لأنهم لم يعملوا لأجله، كيف وهو مغيب منهم؛ وإنما عملوا باختيارهم الذي يجدونه بالضرورة من أنفسهم.
توجيه للترتيب:
تقوم حجة الله على العبد أولاً.
ويعمل هو - كاسبا ومكتسبا - باختياره ثانياً.
ويظهر لنا ما سبق من علم الله فيه بعد أن اختار ما اختار ثالثاً.