قال: وفي الكلام حذف على قراءة الجماعة ، التقدير: إنا جعلنا في أعناقهم ، وفي أياديهم أغلالاً فهي إلى الأذقان ، فلفظ"هي"كناية عن الأيدي لا عن الأعناق ، والعرب تحذف مثل هذا.
ونظيره: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر} [النحل: 81] وسرابيل تقيكم البرد ، لأن ما وقى من الحرّ ، وقى من البرد ؛ لأن الغلّ إذا كان في العنق ، فلا بدّ أن يكون في اليد ، ولا سيما ، وقد قال الله {فَهِىَ إِلَى الأذقان} ، فقد علم أنه يراد به الأيدي ، فهم مقمحون ، أي: رافعو رؤوسهم لا يستطيعون الإطراق ؛ لأن من غلت يداه إلى ذقنه ارتفع رأسه.
وروي عن ابن عباس: أنه قرأ"إنا جعلنا في أيديهم أغلالاً"، وعن ابن مسعود: أنه قرأ"إنا جعلنا في أيمانهم أغلالاً"كما روي سابقاً من قراءة ابن عباس {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} أي: منعناهم عن الإيمان بموانع ، فهم لا يستطيعون الخروج من الكفر إلى الإيمان ، كالمضروب أمامه ، وخلفه بالأسداد ، والسد بضم السين ، وفتحها لغتان.
ومن هذا المعنى في الآية قول الشاعر:
ومن الحوادث لا أبالك أنني... ضربت عليّ الأرض بالأسداد
لا أهتدي فيها لموضع تلعة... بين العذيب وبين أرض مراد
{فأغشيناهم} أي: غطينا أبصارهم {فَهُمُ} بسبب ذلك {لاَّ يُبْصِرُونَ} أي: لا يقدرون على إبصار شيء.
قال الفراء: فألبسنا أبصارهم غشوة: أي: عمى فهم لا يبصرون سبيل الهدى ، وكذا قال قتادة: إن المعنى: لا يبصرون الهدى.
وقال السدّي: لا يبصرون محمداً حين ائتمروا على قتله.
وقال الضحاك: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً} : أي: الدنيا ، {ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً} أي: الآخرة ، {فأغشيناهم ، فهم لا يبصرون} : أي: عموا عن البعث ، وعموا عن قبول الشرائع في الدنيا.