إن مجيئه من أقصى المدينة يدل على وصول البلاغ إلى أبعد مكان فيها مما يدل على جديتهم في التبليغ وتوسعهم فيه وهو تصديق قولهم (وما علينا إلا البلاغ المبين) .
وقال هنا (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى) فقدم (من أقصى) على (رجل) وقال في سورة القصص (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين(20) القصص) بتقديم (رجل) على (من أقصى المدينة) . ذلك أن القصد في آية يس أن يبين أن مجيء الرجل كان من أبعد مواضعها وأما في القصص فإنه يفيد أن الرجل من أقصى المدينة أي هو من أهل المواضع البعيدة غير أنه لا يلزمأن يكون مجيئه من أقصى المدينة وهو كما تقول"جاءني من القرية رجال"أي جاؤوك من القرية، وتقول"جانء رجال من القرية"فالرجال هم من أهل القرية ولكن لا يقتضي أن مجيئهم إليك كان من القرية بل قد يكونون في المدينة ثم جاؤوك. وقد يكون المجيء من القرية فقولك"جاءني رجال من القرية"يحتمل معنيين بخلاف قولك"جاءني من القرية رجال".
وعلى أية حال فإن قوله (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى) يفيد أنه جاء من أبعد مكان في المدينة. وقوله (وجاء رجل من أقصى المدينة) يحتمل ذلك ويحتمل أنه من أهل الأماكن البعيدة وإن لم يكن مجيئه من هناك.
وفي تقديم (من أقصى المدينة) في سورة يس فائدة أخرى حتى لو كان مجيئهما كليهما من أقصى المدينة فإن قوله (وجاء من أقصى المدينة) يدل على أن الاهتمام أكبر لأكثر من سبب:
1 -ذلك أن مجيء الرجل من أقصى المدينة إنما كان لغرض تبليغ الدعوة في حين أن مجيء الرجل إلى موسى كان لغرض تحذيره والأمر الأول أهم.
2 -ثم إن مجيء الرجل من أقصى المدينة إنما كان إشهار إيمانه أمام الملأ ونصح قومه في حين أن مجيء الرجل إلى موسى ليسرّ إليه كلمة في أذنه فمجيء رجل يس إنما كان للإعلان والإشهار ومجيء رجل موسى إنما كان للإسرار وفرق بين الأمرين.
3 -إن مجيء رجل يس فيه مجازفة ومخاطرة بحياته وليس في مجيء رجل موسى شيء من ذلك وإنما هو إسرار لشخص بأمر ما ليحذر.
4 -إن المجتمع في القرية كله ضد على الرسل وعقيدتهم مكذب لهم متطير بهم فإعلان الرجل أنه مؤمن بما جاء به الرسل مصدق لهم فيه ما فيه من التحدي لهم بخلاف مجتمع سيدنا موسى عليه السلام فإنه ليس فيه فكر معارض أو مؤيد وليست هناك دعوة أصلاً.