ذكروا أن مهمتهم هي البلاغ المبين حتى إن كذبوهم وأساؤا إليهم فإن هذا لا يثنيهم عن البلاغ لأن هذا أمر نيط بهم وعليهم تنفيذه. ومعنى (علينا) أي نحن مكلفون بذلك وهو واجبنا فواجب الرسل هو التبليغ بل يلزمنا البلاغ المبين أي المبين للحق المظهر له والذي يصل إلى عموم المكلفين بحيث لا يبقى أحد لا يسمع به ولا يعلم ما هو فلا يصح أن نسر ذلك إلى شخص أو نبلغه إلى جماعة مخصوصة فإن ذلك لا يكون بلاغاً مبيناً فالبلاغ المبين يتضمن أمرين: الأمر الأول إيضاح الرسالة وتبليغها كلها بحيث لا يبقى منها شيء غير مبلغ ولا غير معلوم. والأمر الآخر أن يكون التبليغ شاملاً لكل من أرسل إليهم وأصلاً إلى كل فرد فلا يترك سبيلا لإيصال الدعوة إلى كل من تعنيه. وإلا لم يكن بلاغاً مبيناً. وعلى هذا فإن عليهم أن يبلغوا كل ما أرسلوا به وألا يكتموا منه شيئاً وأن يوصلوه إلى جميع أصحاب القرية وهذان الأمران لا يصدهم عنهما صاد ولا يدفعهم عنهما دافع لأن ذلك مما ألزموا به إلزاماً.
جاء في التفسير الكبير"و (المبين) يحتمل أموراً: أحدهما البلاغ المبين للحق عن الباطل أي الفارق بالمعجزة والبرهان وثانيها البلاغ المظهر لما أرسلنا للكل أي لا يكفي أن نبلغ الرسالة إلى شخص أو شخصين وثالثها اللبلاغ المظهر للحق بكل ما يمكن".
آية (18) :
(قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ(18 ) )
تطيرنا بكم أي تشاءمنا بكم فلم نر على وجوهكم خيراً في عيشنا. وقد تقول لقد قال في سورة النمل في قوم صالح (قالوا اطيرنا بك وبمن معك(47) النمل) فأبدل وأدغم فلم لم يقل ههنا كما قال ثمَّ؟ والجواب أنا ذكرنا في كتابنا بلاغة الكلمة في التعبير القرآني أن (اطّير) ونحوه كادّبّر واطّهّر أبلغ من (تطير) ونحوه لمكان التضعيف في الفاء زيادة على تضعيف العين فدل على أن التطير في سورة النمل أشد منه مما في هذه الآية، يدل على ذلك أنهم في هذه الآية هددوهم بالرجم والتعذيب إن لم ينتهوا. وأما في سورة النمل فقد تعاهدوا وتقاسموا بالله على قتله مع أهله (قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله(49) النمل) فدل على أن تطيرهم في سورة النمل أقوى وأشد.