{وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70) } :
قوله عز وجل: {إِنْ هُوَ} الكناية عن المُعَلَّمِ، دل عليه: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ} ، أي: قول الشعر أو صناعته، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يكن شاعرًا، وأما قوله -صلى الله عليه وسلم-:
أنا النبيُّ لا كذِبْ ... أنا ابنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ
وقوله:
هَلْ أنت إلا إصبع دَمِيتِ ... وَفي سَبِيل اللهِ مَا لَقِيتِ
ففيه أوجه:
أحدها: أن الشعر ما قصد ناظمه إلى وزنه وإخراجه عن المنثور إلى حد الموزون، فأمّا ما وقع في خلال الكلام مما يوافق وزن الشعر من غير قصد فليس بشعر، وقد يجري ذلك على ألسنة العامة الذين ليسوا من العرب ولا لهم علم بوزن الشعر اتفاقًا، فلا يسمى شعرًا، ولا قائله شاعرًا، وكذلك قال أبو عبيدة وغيره من أهل العلم بكلام القوم في هذا النوع: إنه شيء وافق وزنه
وزن الشعر ولم يقصد به الشعر.
والثاني: أن هذا رجز، والرجز غير الشعر، والراجز غير الشاعر، وكان الخليل -رحمه الله- ما كان يعد الرجز من الشعر.
والثالث: أنه إنما قال عليه الصلاة والسلام:"أنا النبي لا كذبَ"بالفتح،"أنا ابن عبد المطلبِ"بالكسر، وكذلك (دميتِ) بالكسر من غير إشباع، و (لقيتْ) بالسكون للوقف، فلا يكون موزونًا. وقد رَوى بعضُهم: (لَقِيَتْ دَمِيَتْ) بتاء التأنيث الساكنة على الإخبار عن الإصبع، فلا يكون أيضًا موزونًا، وإذا كان كذلك فبطل ما اعترض به أهل الإِلحاد وادعوه عليه عليه الصلاة والسلام وعلى كلام الله جل ذكره من الاستحالة والفساد.
وقوله: {لِيُنْذِرَ} من صلة محذوف دل عليه (إنْ هو إلا ذكر) ، وقرئ: بالياء النقط من تحته، والمنوي فيه للقرآن أو لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وبالتاء النقط من فوقه، على الخطاب له عليه الصلاة والسلام، أو للمُنْزِلِ جَلّ ذكره.