خ:"عُرْفُ القرآن إذا ذَكَرَ متمسّك الجبرية ذَكَرَ متمسّك القَدَرية، وبالعكس، وكذا هنا لما قال: (وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بمَا كَانُوا يَكْسبُونَ) (اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ) - وكان ذلكَ متمسك القدرية، حيث أسند الكسب والكفر إليهم - عقب ذلك بما يدلُّ على أنّ كفرهم وكسبَهم بمشيئة الله تعالى، يسلب القوة العقلية كما يسلب القوة الحسية، حتى لو شاء لَمَسخَ المكلَّف على مَكَانَتِهِ، وأقامه بحيث لا يتحرك يَمْنَةً ويسرة، ولا يقْدِرُ على المضِيِّ والرجوع."
وقدّم الطمس والإعماء على المسخ، وذلك من حسن الترتيب والتدريج، فإنه لما قال (لَطَمَسْنا عَلَى أعْيُنهِمْ) فقد يقال: الأعمى يهتدي إلى الطريق بأمارات عقلية أو حسية غير حسِّ البصر كالأصوات وحس اللمس، فقال: (لَوْ نَشَاءُ لمَسَخْنَاهُمْ) وسَلبنَا قُوّتهم الكلية، فلا يهتدون إلى الصراط بوجْهِ من الوجوه.
وقدّم المضي على الرجوع، لأنه أهون من المضي؛ إذ المضيُّ لا يقتضي تقدُّمَ سلوك الطريق بخلاف الرجوع، فكأنه قال:"لا يسَتطيعون مُضيّاً ولا أقل من ذلكَ".
قلت: فالعطف تأسيس لا تأكيد.
68 - {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ} :
خ:"قد مَرَّ أنّ قوله (أَلمَ اَعْهَدِ اِلَيْكُمْ) الآية، قطع الأعذار بسبق الإنذار. وشَرَعَ هنا في قطع عذرَ آخَر، وهو أن الكافر يقول: لم يكن لُبْثُنا في الدنيا إلا يسيرا، ولو عمرتنا لما قصّرنا. فقال: ألا تعقلون أنكم كلما دخلتم في السن ضعُفتم، وقد عمرناكم مقدارَ ما تتمكنون من النظر؛ كما قال تعالى (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) وعلمتم أنّ الزمانَ كلما مَر عليكم ازداد ضعفُكم فعصيتم زمان الإمكان".
69 - {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ} :
خ:"لما ذكر أصل الوحدانية في قوله (ألَمَ اَعْهَدِ اِلَيْكُمْ) الآية، إلى قوله (وَأَنُ اعْبُدُونِي) ، ثم ذكر أصل الحشر في قوله(اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا"
كُنتُمْ تَكْفُرُونَ) ، وقوله (الْيَوْمَ نَخْتمُ) إلى غير ذلك، ذكر هنا الأصل الثالث وهو الرسالة.