ولما قال لهم: اتبعوا المرسلين كأنهم منعوا كونهم مرسلين فنزل درجة وقال: {اتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً} أي: أجرة؛ لأن الخلق في الدنيا سالكون طريق الاستقامة، والطريق إذا كان فيه دليل وجب اتباعه وعدم الاستماع من الدليل لا يحسن إلا عند أحد أمرين: إما لطلب الدليل الأجرة، وإما: لعدم الاعتماد على اهتدائه ومعرفة الطريق لكن هؤلاء لا يطلبون أجرة {وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} عالمون بالطريق المستقيم الموصلة إلى الحق فهب أنهم ليسوا بمرسلين أليسوا بمهتدين؟ فاتبعوهم.
{وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي}
أصله: وما لكم لا تعبدون ولكنه صرف الكلام عنه ليكون الكلام أسرع قبولاً حيث أراد لهم ما أراد لنفسه والمراد: تقريعهم على تركهم عبادة خالقهم إلى عبادة غيره ولذلك قال {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} دون (وإليه أرجع) مبالغة في التهديد، وفي العدول عن مخاصمة القوم إلى حال نفسه مبالغة في الحكمة، وهي أنه لو قال: ما لكم لا تعبدون الذي فطركم لم يكن في البيان مثل قوله: ما لي؛ لأنه لما قال: ما لي فأحد لا يخفى عليه حال نفسه.
(تنبيه)
أضاف الفطرة إلى نفسه والرجوع إليهم؛ لأن الفطرة أثر النعمة فكانت عليه أظهر، وفي الرجوع معنى الزجر فكان بهم أليق.
«فَإِنْ قِيلَ» : ما الحكمة في قوله تعالى هنا: {إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ} بصيغة المضارع وقال في الزمر: {إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ} (الزمر: 38)
بصيغة الماضي وذكر المريد هنا باسم (الرحمن) وذكر المريد هناك باسم (الله) ؟
أجيب: بأن الماضي والمستقبل مع الشرط يصير الماضي مستقبلاً؛ لأن المذكور هنا من قبل بصيغة الاستقبال في قوله {أَأَتَّخِذُ} وقوله {وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ} والمذكور هناك من قبل بصيغة الماضي في قوله {أَفَرَأَيْتُمْ} (الزمر: 38) .
قوله: {إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ}
واختلف في المخاطب بقوله {بِرَبِّكُمْ} على أوجه: