قال الجنيد رحمة الله عليه: لما ذكر الميراث على أن الخلق فيه خاص وعام وأن
الميراث لمن هو اقرب واصح نسبا فتصحيح النسبة هو الأصل. قال: الظالم الذي يحبه
لنفسه، والمقتصد الذي يحبه له والسابق اسقط عنه مراده لمراد الحق فيه فلا يرى لنفسه
طلبا ولا مرادا لغلبة سلطان الحق عليه.
سئل الثوري عن قوله: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا (على ماذا
عطف بقوله ثم؟ قال: عطف على إرادة الأزل والأمر المقضي، قال: ثم أورثنا من
الخلق الذين سبقت لهم منا الإصطفائية في الأزل.
وقال عبد العزيز المكي: المغفرة للظالمين والرحمة على المقتصدين والقربى للسابقين.
وقال حارث المحاسبي: الظالم نظر من نفسه في دنياه وآخرته فيقول في دنياه وآخرته
نفسي نفسي والمقتصد نظر من نفسه إلى عقباه وهو في الآخرة ناظر إلى مولاه، والسابق
من نظر من الله إلى الله فلم ير غير الله في دنياه وعقباه.
وقال أبو الحسن الفارسي: سبحان من اثبت اسامي الظالمين في ديوان السابقين ثم
جمع بينهم في محل الإرث فقال: (جنات عدن يدخلونها (وإن الله اصطفى جملة
الموحدين من جملة الكافرين فكانوا عبادا مخصوصين فسوى بينهم أن لا يعتمد السابق
على سبقه ولا ييأس الظالم من ظلمه.
وقيل في قوله: (ثم أورثنا الكتاب. . (الآية، قال: فيه تعزية وتهنئة وما من تعزية
إلا وتحتها تهنئة ولا تهنئة إلا وتحتها تعزية فلما قال: (فمنهم ظالم لنفسه (كان ذلك
تهنئة له وتعزية للظالم، ثم ذكر السابق بالخيرات وفي ذلك تهنئة له وتعزية للمقتصد لأن
الله يقول: (والسابقون السابقون أولئك المقربون (والظالم لنفسه افتقر إلى حال
المقتصد والمقتصد لم يفتقر إلى حال الظالم لنفسه والمقتصد أفتقر إلى حال السابق
والسابق لم يفتقر إلى حال المقتصد لأن من نال أعلى المراتب فقد جاز ما دونه والمقتصد
قد جاز مرتبة الظالم لنفسه ونال ما هو أعلى منه والسابق قد جاز مرتبة المقتصد ونال
أعلى منها فلا يفتقر إلى ما هو دونها.
قال بعضهم: الظالم هو طالب الدنيا، والمقتصد طالب العقبى، والصادق طالب
المولى.
قال الحسين: الظالم الباقي مع حاله والمقتصد الفاني في حاله والسابق المستغرق في
فناء حاله.