قلت: قال جعفر الصادق بدأ بالظالمين إخباراً بأنه لا يتقرب إليه إلا بكرمه ، وأن الظلم لا يؤثر في الاصطفاء ثم ثنى بالمقتصدين ، لأنهم بين الخوف والرجاء ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكره ، وكلهم في الجنة وقيل رتبهم الترتيب على مقامات الناس ، لأن أحوال العباد ثلاثة معصية وغفلة ثم توبة ، ثم قربة فإذا عصى الرجل دخل في حيز الظالمين ، فإذا تاب دخل جملة المقتصدين فإذا صحت توبته وكثرت عبادته ومجاهدته دخل في عداد السابقين وقيل قدم الظالم لكثرة الظلم وغلبته ثم المقتصد قليل بالإضافة إلى الظالمين ، والسابق أقل من القليل فلهذا أخرهم ومعنى سابق بالخيرات أي بالأعمال الصالحة إلى الجنة ، أو إلى رحمة الله {بإذن الله} أي بأمر الله وإرادته {ذلك هو الفضل الكبير} يعني إيراثهم لكتابن واصطفاءهم ثم أخبر بثوابهم
فقال تعالى: {جنات عدن يدخلونها} يعني الأصناف الثلاثة {يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير} تقدم تفسيره {وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} قال ابن عباس حزن النار وقيل حزن الموت وقيل حزن الذنوب والسيئات وخوف رد الطاعات وأنهم لا يدرون ما يصنع بهم وقيل حزن زوال النعم وتقليب القلوب وخوف العاقبة وقيل حزن أهوال يوم القيامة وهموم الحصر والمعيشة في الدنيا وقيل ذهب عن أهل الجنة كل حزن كان لمعاش أو معاد.
روى البغوي بسنده عن ابن عمر قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في نشورهم وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم يقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن" {إن ربنا لغفور شكور} يعني غفر العظيم من الذنوب وشكر القليل من الأعمال {الذي أحلنا} يعني أنزلنا {دار المقامة} أي الإقامة {من فضله} أي لا بأعمالنا {لا يمسنا فيها نصب} أي لا يصيبنا فيها عناء ولا مشقة {ولا يمسنا فيها لغوب} أي إعياء من التعب.