ويكون الكلام جملتين مستقلتين: بين في إحداهما أنه أورث كتابه من اصطفاه من عباده، وبين في الأخرى أن من عباده ظالما ومقتصدا وسابقا، وإما أن يكون المعنى تقسيم المرسل إليهم بالنسبة إلى قبول الكتاب وأن منهم من لم يقبله وهو الظالم لنفسه، ومنهم من قبله مقتصدا فيه، ومنهم من قبله سابقا بالخيرات بإذن الله، قالوا: والذي يدل على هذا الوجه أنه سبحانه ذكر إرساله في كل أمة نذيرا ممن تقدم هذه الأمة فقال: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24] ، ثم ذكر أن رسلهم جاءتهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المبين، الآيات الدالة على صدقهم وصحة رسالاتهم، والزبر: الكتاب، واحدها زبور بمعنى مزبور أي مكتوب، الكتاب المنير: من باب عطف الخاص على العام لتميزه عن المسمى العام بفضله وشرفه امتاز بها واختص بها عن غيره، وهو كعطف جبريل وميكائيل على الملائكة، وكعطف أولى العزم على النبيين من قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [الأحراب: 7] والكتاب المنير هاهنا: التوراة والإنجيل.
ثم ذكر إهلاك المكذبين لكتابه ورسله فقال: {ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [فاطر: 26] ، ثم ذكر التالين لكتابه وهم المتبعون له العالمون بشرائعه: فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 29 - 30] .
ثم ذكر الكتاب الذي خص به خاتم أنبيائه ورسله محمد صلى الله عليه وسلم فقال: {وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ} [فاطر: 31] .
ثم ذكر سبحانه من أورثهم الكتاب بعد أولئك وأنه اصطفاهم لتوريث كتابه إذ رده المكذبون لو يقبلوا توريثه.
قالوا: وأما قولكم: إن الاصطفاء افتعال من الصفوة وهي الخيار وهي إنما تكون في السعداء، فهذا بعينه حجة لنا في أن الظالم لنفسه ليس ممن اصطفاه الله من عباده وقد تقدم تقريره.