وليس علينا قتلُهم بمحرّم
أي نعاطيهم الصلح ما ركبوا بنا القصد ، أي ما لم يجوروا ، وليس قتلهم بمحرّم علينا إن جاروا ؛ فلذلك كان المقتصد منزلة بين المنزلتين ، فهو فوق الظالم لنفسه ودون السابق بالخيرات.
{ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير} يعني إتياننا الكتاب لهم.
وقيل: ذلك الاصطفاء مع علمنا بعيوبهم هو الفضل الكبير.
وقيل: وعدُ الجنة لهؤلاء الثلاثة فضل كبير.
الثالثة: وتكلم الناس في تقديم الظالم على المقتصد والسابق فقيل: التقديم في الذكر لا يقتضي تشريفاً ؛ كقوله تعالى: {لاَ يستوي أَصْحَابُ النار وَأَصْحَابُ الجنة} [الحشر: 20] .
وقيل: قدم الظالم لكثرة الفاسقين منهم وغلبتهم ، وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم ، والسابقين أقل من القليل ؛ ذكره الزمخشري ولم يذكره غيره.
وقيل: قدّم الظالم لتأكيد الرجاء في حقه ، إذ ليس له شيء يتكل عليه إلا رحمة ربه.
واتكل المقتصد على حسن ظنه ، والسابق على طاعته.
وقيل: قدّم الظالم لئلا ييئس من رحمة الله ، وأخّر السابق لئلا يعجب بعمله.
وقال جعفر بن محمد بن علي الصادق رضي الله عنه: قدّم الظالم ليخبر أنه لا يتقرّب إليه إلا بصرف رحمته وكرمه ، وأن الظلم لا يؤثر في الاصطفائية إذا كانت ثَمَّ عناية ، ثم ثنّى بالمقتصدين لأنهم بين الخوف والرجاء ، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكر الله ، وكلهم في الجنة بحرمة كلمة الإخلاص:"لا إله إلا الله محمد رسول الله".
وقال محمد بن علي الترمذي: جمعهم في الاصطفاء إزالةً للعلل عن العطاء ؛ لأن الاصطفاء يوجب الإرث ، لا الإِرث يوجب الاصطفاء ، ولذلك قيل في الحكمة: صحح النسبة ثم ادّع في الميراث.
وقيل: أخّر السابق ليكون أقرب إلى الجنات والثواب ، كما قدّم الصوامع والبيع في"سورة الحج"على المساجد ، لتكون الصوامع أقربَ إلى الهدم والخراب ، وتكون المساجد أقرب إلى ذكر الله.