سمى ما يبذل العبد لله: تجارة، وإن كان ذلك له في الحقيقة لطفا منه وإحسانًا، وكذلك ما ذكر من إيفاء الأجر لهم على أعمالهم حيث قال: (لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ(30) وذلك ليس في الحقيقة أجرًا لما يستوجبون الأجر قبله بتلك الأعمال؛ لما عليهم من الشكر فيما أنعم عليهم من أنواع النعم، ومتى يفرغون عن شكر ما أنعم عليهم حتى يكون ذلك أجرًا لهم، لكنه - عَزَّ وَجَلَّ - بفضله وإنعامه وعد لهم الثواب والأجر على حسناتهم وأعمالهم الصالحات؛ إفضالا منه وإنعامًا منه، وسمى ذلك: تجارة كأن ليس ذلك له في الحقيقة؛ ترغيبًا منه الخلق في ذلك وتحريضًا لهم على ذلك، واللَّه أعلم.
(وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) على ذلك أيضًا.
وقوله: (إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ) .
يحتمل قوله: (غَفُورٌ) . أي: ستور لمساويهم، (شَكُورٌ) . أي: مظهر لحسناتهم بإدخاله إياهم الجنة؛ ليعلم أحد أنه كان محسنا لا مسيئًا.
أو (غَفُورٌ) : يتجاوز عن مساوئهم، (شَكُورٌ) : يقبل اليسير من العمل القليل منهم ويجزيهم على ذلك الجزيل من الثواب، واللَّه أعلم.
وقوله: (لَنْ تَبُورَ) .
قال أَبُو عَوْسَجَةَ والْقُتَبِيّ: (لَنْ تَبُورَ) . أي: لن تفنى أو لن تكسد، يقال: بارت التجارة تبور فهب بائرة: إذا كسدت.
(لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ) : من الإيفاء، يقال: أوفيته حقه، أي: أعطيته حقه كله.
وقوله: (وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) : يا مُحَمَّد، (مِنَ الْكِتَابِ) : وهو القرآن، (هُوَ الْحَقُّ) : أنه من عند اللَّه، (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) . أي: موافقًا للكتب التي قبله.
ثم يكون وفاقه إياها بأحد شيئين:
إما في الأخبار والأنباء: أن توافق الأنباء والأخبار التي في القرآن أنباء الكتب المثقدمة وأخبارها ويصدق بعضها بعضا، فكذلك كانت الكتب كلها داعية إلى توحيد اللَّه والعبادة له والطاعة.