أَيْنَ مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى رَضِيِّ الأَمَلِ وَالْمُنَى وَاتَّخَذَهُمَا مَالا؟ مَالا, أَيْنَ مَنْ تَنَعَّمَ بِالْعِزِّ وَالْفَخْرِ وَجَعَلَهُمَا حَالا؟ حَالا, أَيْنَ مَنْ جَمَعَ الأَمْوَالَ بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ, وَتَصَرَّفَ بِشَهَوَاتِهِ فِي طُولِ الْمُنَى وَالْعَرْضِ, وَنَسِيَ الْحِسَابَ يَوْمَ السُّؤَالِ وَالْعَرْضِ، وَلَمْ يُبَالِ بَعْدَ نَيْلِ غَرَضِهِ بِضَيَاعِ الْوَاجِبِ وَالْفَرْضِ, أَمَا حُطَّ عَنْ ظَهْرِ قَصْرِهِ إِلَى بَطْنِ الأَرْضِ, خَلا وَاللَّهِ بِقَبِيحِهِ وَحَسَنِهِ, وَانْتَبَهَ فِي قَبْرِهِ مِنْ وَسَنِهِ, فَمَا نَفَعَتْهُ الإِفَاقَةُ فِي إِبَّانِ الْفَاقَةِ, وَلا أَفَادَهُ التَّيَقُّظُ وَقَدِ انْقَضَى وَقْتُ التَّحَفُّظِ, تَبَدَّلَ بِالأَتْرَابِ التُّرَابَ, وَوَاجَهَ أَلِيمَ الْحِسَابِ وَالْعِتَابِ, وَنَدِمَ عَلَى مَا خَلا فِي خِلافِ الصَّوَابِ, وَتَقَطَّعَتْ بِهِ الْوُصُلُ وَالأَسْبَابُ, فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَلْبَابِ.
(سَلِ الأَجْدَاثَ عَنْ صُوَرٍ بَلِينَا ... وَعَنْ خَلْقٍ نَعِمْنَ فَصِرْنَ طِينَا)
(وَعَنْ مَلِكٍ تَغَرَّرَ بِالأَمَانِي ... وَكَانَ يَظُنُّ أَنْ سَيَعِيشُ حِينَا)
(لَقَدْ أَبَتِ الْقُبُورُ عَلَى حَزِينٍ ... أَتَاهَا أَنْ تَفُكَّ لَهُ رَهِينَا)
(هِيَ الدُّنْيَا تُفَرِّقُ كُلَّ جَمْعٍ ... وَإِنْ أَلِفَ الْقَرِينُ بِهَا الْقَرِينَا)
انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...