فاطر 12 فإن اختلف المتقابلان، فلكل منهما مهمة يؤديها، فهما متساندان لا متعاندان. وبعد أن ذكر الحق سبحانه عدم استواء الأعمى والبصير يقول {وَلاَ الظُّلُمَاتُ وَلاَ النُّورُ} فاطر 20، لأن النور هو مصدر الإبصار فالمبصر لا يرى شيئاً في الظلمة. هذا في العمى والبصر الحسي، أما القيم والمعنويات فلها مقياس آخر لذلك يقول تعالى
{فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}
الحج 46، فقد يكون الرجل مبصراً وهو أعمى بصيرة. والأعمى في المعنويات هو الذي يجهل الحكم الذي يهديه إلى منطقة الحق في كل القيم، والبصير هو العالم بهذه الأحكام. وحين تتأمل أسلوب هاتين الآيتين. تجد فيهما ملمحاً من ملامح الإعجاز في كلام الله، فالأولى {وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} فاطر 19 قرنت بين الاثنين باستخدام واو العطف، أما الأخرى {وَلاَ الظُّلُمَاتُ وَلاَ النُّورُ} فاطر 20 فذكرت لا النافية الدالة على توكيد عدم الاستواء، فلم يَقُل الحق سبحانه كما في الأولى ولا الظلمات والنور، لماذا؟ قالوا لأن العمى والبصر صفتان قد تجتمعان في الشخص الواحد، فقد يكون أعمى اليوم ويبصر غداً، قد يكون جاهلاً ويتعلم، أو كافراً ويؤمن، فيطرأ عليه الوصفان لذلك لم يؤكد معنى عدم الاستواء، أما الظلمات والنور فهما متقابلان لا يجتمعان.
كما تلحظ في دقة الأداء القرآني لأن الحق سبحانه هو المتكلم، فقال {وَلاَ الظُّلُمَاتُ وَلاَ النُّورُ} فاطر 20 فالظلمات جمع والنور مفرد لأن مذاهب الضلال شتى، فهذا يعبد النجوم، وهذا يعبد الأصنام، وهذا يعبد الملائكة .. الخ. أما النور فواحد، هو منهج الله المنزل في كتابه. لذلك لما أراد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُعلِّم أصحابه هذا الدرس خَطَّ لهم خطاً مستقيماً، ومن حوله خطوط متعرجة، ثم تلا
{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}