وَقَدْ وَجَّهَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ قَوْلَ ذِي الرُّمَّةِ:
[البحر الطويل]
أَخِي قَفَرَاتٍ دَبَبَتْ فِي عِظَامِهِ ... شَفَافَاتُ أَعْجَازِ الْكَرَى فَهُوَ أَخْضَعُ
إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى خَاضِعٌ، وَقَوْلُ الْآخَرِ:
[البحر الطويل]
لَعَمْرُكَ إِنَّ الزِّبْرِقَانَ لَبَاذِلٌ ... لِمَعْرُوفِهِ عِنْدَ السِّنِينَ وَأَفْضَلُ
كَرِيمٌ لَهُ عَنْ كُلِّ ذَمٍّ تَأَخُّرٌ ... وَفِي كُلِّ أَسْبَابِ الْمَكَارِمِ أَوَّلُ
إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى: وَفَاضِلٌ؛ وَقَوْلُ مَعْنٍ:
[البحر الطويل]
لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَأَوْجَلُ ... عَلَى أَيُّنَا تَعْدُو الْمَنِيَّةُ أَوَّلُ
إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى: وَإِنِّي لَوَجِلٌ؛ وَقَوْلُ الْآخَرِ:
[البحر الطويل]
تَمَنَّى امْرُؤُ الْقَيْسِ مَوْتِي وَإِنْ أَمُتْ ... فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيهَا بِأَوْحَدِ
إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى: لَسْتُ فِيهَا بِوَاحِدٍ؛ وَقَوْلُ الْفَرَزْدَقِ:
[البحر الطويل]
إِنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا ... بَيْتًا دَعَائِمَهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ
إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى: عَزِيزَةٌ طَوِيلَةٌ. قَالُوا: وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فِي الْأَذَانِ: اللَّهُ أَكْبَرُ، بِمَعْنَى: اللَّهُ كَبِيرٌ؛ وَقَالُوا: إِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُوصَفُ بِهَذَا، وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِهِ الْخَلْقُ، فَزَعَمَ أَنَّهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَى الْخَلْقِ، فَإِنَّ الْحُجَّةَ عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ: {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} ، وَقَوْلُهُ: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} ، أَيْ لَا يُثْقِلُهُ حِفْظُهُمَا.
وَقَوْلُهُ: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى}
يَقُولُ: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فَذَلِكَ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، تَعَالَى رَبُّنَا وَتَقَدَّسَ.
وَقَوْلُهُ: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَهُوَ الْعَزِيزَ فِي انْتِقَامِهِ مِنْ أَعْدَائِهِ، الْحَكِيمُ فِي تَدْبِيرِهِ خَلْقَهُ، وَتَصْرِيفِهِمْ فِيمَا أَرَادَ مِنْ إِحْيَاءٍ وَإِمَاتَةٍ، وَبَعْثٍ وَنَشْرٍ، وَمَا شَاءَ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 18/}