{إِنَّ فِي ذَلِكَ} ؛ أي: إن فيما ذكر من خلق السماوات والأرض، واختلاف الألسنة والألوان {لَآيَاتٍ} عظيمة، ودلائل واضحة، كثيرة عددها {لِلْعَالِمِينَ} بكسر اللام؛ أي: لأولي العلم، الذين يفكرون فيما خلق الله تعالى، الذين هم من جنس هذا العالم، من غير فرق بين بر وفاجر، فيعلمون أنه لم يخلق الخلق عبثًا، بل خلقه لحكمة بالغة، فيها عبرة لمن تذكر، وخص العلماء؛ لأنهم أهل النظر والاستدلال، دون الجهال المشغولين بحطام الدنيا وزخارفها، فلما كان الوصول إلى معرفة ما سبق ذكره إنما يمكن بالعلم ختم الآية بالعالمين، ففيه إشارة إلى كمال وضوح الآيات، وعدم خفائها على أحد من الخلق، من ملك وإنس وجن وغيرهم، وقال في"فتح الرحمن": ختم الآية به، لأن الكل يظلهم السماء، ويقلهم الأرض، وكل منهم متميز بلطيفة يمتاز بها عن غيره، وهذا يشترك فيه جميع العالمين.
وقرأ الجمهور: {للعالمين} بفتح اللام؛ لأنها في نفسها آية منصوبة للعالم، وقرأ حفص، وحماد بن شعيب عن أبي بكر، وعلقمة عن عاصم، ويونس عن أبي عمرو بكسر اللام، إذ المنتفع بها، إنما هم أهل العلم، كقوله تعالى: {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} .
23 - {وَمِنْ آيَاتِهِ} سبحانه؛ أي: ومن أعلام قدرته تعالى، على مجازاة العباد في الآخرة {مَنَامُكُمْ} مفعل من النوم؛ أي: نومكم الذي هو راحة لأبدانكم، وقطع لأشغالكم، ليدوم لكم به البقاء إلى آجالكم {بِاللَّيْلِ} كما هو المعتاد،
{وَالنَّهَارِ} أيضًا على حسب الحاجة {وَابْتِغَاؤُكُمْ} ؛ أي: وطلبكم معاشكم فيهما، {مِنْ فَضْلِهِ} ؛ أي: من رزقه، فإن كلًّا من المنام، وطلب القوت، يقع في الليل والنهار، وإن كان الأغلب وقوع المنام في الليل، والطلب في النهار.