وكأنما هي ذات القولة التي يقولها المشركون لمحمد صلى الله عليه وسلم في مكة يومذاك.. {ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} .. فهي المماراة في الحق الواضح الذي لا يمكن دفعه. المماراة المكرورة حيثما واجه الحق الباطل فأعيا الباطل الجواب. إنهم يدعون أنه سحر ، ولا يجدون لهم حجة إلا أنه جديد عليهم ، لم يسمعوا به في آبائهم الأولين!
وهم لا يناقشون بحجة ، ولا يدلون ببرهان ، إنما يلقون بهذا القول الغامض الذي لا يحق حقاً ولا يبطل باطلاً ولا يدفع دعوى. فأما موسى عليه السلام فيحيل الأمر بينه وبينهم إلى الله. فما أدلوا بحجة ليناقشها ، ولا طلبوا دليلاً فيعطيهم ، إنما هم يمارون كما يماري أصحاب الباطل في كل مكان وفي كل زمان ، فالاختصار أولى والإعراض أكرم ، وترك الأمر بينه وبينهم إلى الله:
{وقال موسى: ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار ، إنه لا يفلح الظالمون} .
وهو رد مؤدب مهذب ، يلمح فيه ولا يصرح. وفي الوقت ذاته ناصع واضح ، مليء بالثقة والطمأنينة إلى عاقبة المواجهة بين الحق والباطل. فربه أعلم بصدقه وهداه ، وعاقبة الدار مكفولة لمن جاء بالهدى ، والظالمون في النهاية لا يفلحون. سنة الله التي لا تتبدل. وإن بدت ظواهر الأمور أحياناً في غير هذا الاتجاه. سنة الله يواجه بها موسى قومه ويواجه بها كل نبي قومه.
وكان رد فرعون على هذا الأدب وهذه الثقة ادعاء وتطاولا ، ولعبا ومداورة ، وتهكماً وسخرية:
{وقال فرعون: يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري. فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحاً لعلي أطلع إلى إله موسى ، وإني لأظنه من الكاذبين} ..