وتعليق الآيات بالسلطان يجعل انقلاب العصا حية معجزة، ومانعا أيضا من وصول ضرر فرعون إلى موسى وهارون عليهما السلام، ولذا يجوز الوقوف على إِلَيْكُما ويكون في الكلام تقديم وتأخير، كما يجوز الوصل.
ثم أبان تعالى موقف فرعون من محاجة موسى وهارون فقال: فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ، قالُوا: ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً، وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ أي حين عرض موسى وهارون على فرعون وملئه ما آتاهما الله من المعجزات الباهرة الواضحة والدلالة القاهرة على صدقهما فيما أخبرا به عن الله عز وجل من توحيده واتباع أوامره، قالوا: ما هذا إلا سحر مفتعل مصنوع، مكذوب موضوع، وما سمعنا بما تدعونا إليه من عبادة الله وحده لا شريك له في أيام الأسلاف، وما رأينا أحدا من آبائنا على هذا الدين، ولم نر الناس إلا يشركون مع الله آلهة أخرى.
وهذا مجرد تمسك بالتقليد الذي لا دليل على صحة العمل به. فأجابهم موسى:
وَقالَ مُوسى: رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ، وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ أي أجاب موسى فرعون وملأه بقوله: ربي الله الذي لا إله غيره الذي خلق كل شيء ويعلم غيب السموات والأرض أعلم مني ومنكم
بالمحق من المبطل، وبمن جاء بالحق الداعي إلى الرشاد، وأهله للفلاح الأعظم، ومن الذي له العاقبة المحمودة في الدنيا بالنصر والظفر والتأييد، وفي الآخرة بالثواب والرحمة والرضوان كقوله: أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ، جَنَّاتُ عَدْنٍ [الرعد 13/ 22 - 23] وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد 13/ 42] ، وسيفصل بيني وبينكم، إنه لا يفلح المشركون بالله عز وجل، ولا يظفرون بالفوز والنجاة والمنافع، بل يكونون على ضد ذلك.
وفي الآية أسلوب أدبي رفيع من الخطاب والجدل والمناظرة، فهو لم يعلن أنه المحق وغيره المبطل الضال، وإنما ردد ذلك ليجعل للعقل في النقاش دورا في الحكم النهائي وتغليب الأصح الأصوب، وهذا كقوله صلّى الله عليه وسلم للمشركين: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سبأ 34/ 24] .