وقوله: (قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ(33) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا). وقال في سورة الشعراء: (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ...) إلى قوله: (فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ) ، أخر في هذا ما كان مقدمًا في الذكر في ذلك، وذكره على اختلاف الألفاظ وتغيير الحروف؛ ليعلم: أن ليس على السامع حفظ الألفاظ والحروف بعد إصابته المعنى، وفهم ما قصد بها وأودع فيها؛ لأن اللَّه ذكر هذه الأنباء والقصص التي كانت من قبل في القرآن على اختلاف الألفاظ، وتغيير الحروف، على التقديم والتأخير، والزيادة والنقصان؛ ليعلم أن المقصود والمراد بذكرها ما فيها، لا عين اللفظ والحروف، فإذا عرف ما فيها وفهم جاز الأداء بأي لسان كان، وبأي لفظ كان، واللَّه أعلم.
وقوله: (هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا(34) . يحتمل وجوهًا:
أحدها: أما أهل التأويل فإنهم قالوا: كان في لسانه رتَّة أي: عقدة لما أدخل في فمه من النار؛ فذلك لا نعلمه، وقد قال في آية أخرى: (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي) ، فيجوز أن يكون ذلك خلقة خلقه هكذا، على ما خلق بعض الخلق أفصح وأبين من بعض.
أو أن يكون لما ذكر له من الخوف والذنب ما لم يكن ذلك لهارون، ولا شك من اشتد به الخوف منع صاحبه عن التكلم والبيان، وذلك متعالم معروف في الناس، وهو ما قال:
(إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ...) الآية.
أو أن يكون ذلك لأن نشوء هارون كان فيهم وهم بلسانه أعرف، ومنطقه أفهم، ولموسى فترات كان معتزلا عنهم.