فلما جاءهم موسى بآياته وصفوه بالسحر، وقالوا: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} وطلب فرعون من وزيره هامان أن يبني له صرحا ليبلغ به إلى حيث يطلع إلى إله موسى، وقال: إنه يظنه من الكاذبين. وظل أمرهما في صراع فترة طويلة، فلما لم تغنه النذر انتقم الله منه ومن جنوده بما حكاه في قوله - سبحانه: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} ثم بين الله - تعالى - ما لهذه القصة من الدلالة على نبوة محمَّد - صلى الله عليه وسلم - فقال: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ} ثم قال: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} .
ثم عابَتْ هذه السورة عليهم أنهم لما جاءهم القرآن الحق من عند الله معجزة لنبيهم محمَّد، سألوه أن يأتيهم بكتاب من السماء جملة واحدة، كما جاء موسى قومه بالتوراة جملة واحدة، فأفحمهم الله بأنهم كفروا بما أوتى موسى من قبل قائلين: {قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} فلا همَّ لهم إلاَّ المكابرة والعناد، ثم بينت أن بعض أهل الكتاب لما تُلِيَ عليهم آمنوا به قائلين: {إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا} وأنهم إذا سمعوا لغوهم فيه أعرضوا عنه, ثم نعت عليهم شركهم، وذكرت أن الله تعالى أمر نبيه أن يستخبرهم عمن يأتيهم بضياء يبصرون فيه إن جعل الله عليهم الليل مستمرًّا وسرمدًا إلى يوم القيامة، أو يأتيهم بليل يسكنون فيه إن جعل عليهم النهار كذلك؟ وأنه - تعالى - هو الذي تفضل عليهم برحمته فجعل لهم الليل ليسكنوا فيه، والنهار ليبتغوا فيه من فضله ولعلهم يشكرون وأنه سوف يناديهم يوم القيامة فيسألهم: {أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} وأن الحق سوف يظهر لله عليهم، بشهادتهم على أنفسهم.